محمد خيوط

أريد أن أكون ..

ظلام أسود يلف أجنحة المكان، ترتدي فيه الأشياء معاطفها الفحمية وتتحرك كغربان جائعة تنهش جميع الألوان .. فقدت عينان كل صلة لهما بباقي أعضاء الجسم، بقي أن أحس بالأشياء بدل أن أراها. أن أتصور أن أصابع يدي خمسة ولون شعري بلون السماء، حتى أعطي للمكان والزمن حقيقة ممكنة تؤنس وحشتي وتملأ علي وحدتي ..

بالفعل بدأت الصورة تتشكل .. يظهر قمر يبحث عن مكانه بين النجوم، يصارع الرياح والغيوم ليوصل شعلة من قبسه ذاك، فتشتعل عيون الحيارى والتائهين وتتفتح قرائح الشعراء والملهَمِين ... بين القمر وبيني شمعة يغطي نورها مساحة صغيرة ومع ذلك تصر على الاحتراق. كنت أراقبها وهي تبكي بمرارة، وكأنها تهدي حياتها قربانا من أجل الآخرين. لكن من؟ لم يكن بالمكان غيري. لا يهم فقد بدأت أهذي !!

ما هذا؟ أشياء أخرى تتحرك: صندوق من خشب. سكين. فردة حذاء قديم. كأس. حبة أسبيرين .. أحسست بدوار. رأسي يؤلمني. سقط السكين من الطاولة فتوقف الصندوق عن الحركة. ارتبكت قليلا. أشعلت سيجارة. أخذت نفسا عميقا، كدت أختنق، بدأت أسعل فانكسر الكأس وتوقف الحذاء وبقيت حبة الأسبرين ترقص ...

ماذا يحصل لي؟ لابد أني بالغت في تشكيل الصورة .. علي أن أعود حين كنت .. طلبت من القمر الاختفاء فرفض قائلا:

-       ألم تسأم من ضوء النهار؟ لقد ولدت لِتَوِّكَ وتريد أن تموت ...

-       وما الفرق بين الولادة والموت. فكلاهما لحظة عابرة .. أجبته سائلا!

-       الفرق أن هناك من يولد ليموت وهناك من يولد ليبقى حيا فأيهما تريد أن أتكون؟

تبرمت من كلامه وقصدت الشمعة، وضعت أصبعي على الفتيلة فأحرقني لهيبها، صرخت فصرخت في وجهي:

-       إن ألمك هذا هو بداية الطريق !!

-       لست مضطرا لخوض طريق الألم هاته .. أجبتها.

-       عجبا !  لقد عشت حياتك تبحث عنها !!

-       أنا ؟!

-       نعم أنت ... وتود لتعاستك أن تنسحب.

-       لا .. لا .. لست مستعدا أن أنزع حذائي وأمشي على الأشواك.

-       ولا أنا مستعدة لمساعدة الانهزاميين أمثالك.

استنشقت كمية ثانية من الهواء وأمعنت النظر في القمر وهو يكافح ليبقي على كينونته في هذا الليل البهيم، ثم التفت إلى الشمعة وهي تراقبني بجسد حليبي ورأس مشتعل، وحسبي أنها تقول لي:

-       لا أريدك أن تعيش وتموت، فأنت ميت منذ الولادة. اصنع لنفسك روحا تضمن بها البقاء.

-       لكن لا أدري كيف ؟! أجبتها في صمت.

-       اغتسل من ذنبوك وتعوذ من شياطينك واستعن بنفسك على نفسك لتتطهر من أثام الماضي وقيود الحاضر ...

-       يا لها من محاضرة سخيفة لا تختلف كثيرا عما تلقنته من محاضرات ساذجة ..

مسحت بكم قميصي قطرات العرق على جبيني. وقفت. عاودني الدوار. رأسي يؤلمني بركان يشتعل بداخلي، يقذف حممه الملتهبة في كل مكان. قشعريرة. تقزز. شعور بالرعشة والغثيان. وضعت يدي على فمي وأسرعت إلى المرحاض ..

رفعت رأسي المتثاقل إلى المرآة المنكسرة فرأيت وجوها كثيرة وأيْدٍ تشد عنقي بقوة، ووجه بين تلك الوجوه كان يصرخ ويختنق، يبكي ويئن ... اختناق. صراخ ودموع. بكاء وأنين. حياة وموت. موت وموت. ودماء تتسرب من شقوق المرآة ..

عدت على الغرفة، ابتلعت حبة الأسبرين فانطفأت الشمعة وانشق القمر !!

04/08/2006

تيفلت

محمد خيوط

 

 

 

 

 

 



Article ajouté le 2007-02-20 , consulté 71 fois

Commentaires



Poster un commentaire





http://





Merci de recopier le nombre présent à gauche dans la case de texte ci-dessous ( Pourquoi ? )





Liens


Retour aux articles


Recommander ce blog | Contacter l'auteur | Reporter un abus | S'abonner au blog Flux RSS du blog | Espace de gestion

Créer un blog gratuit avec Blog4ever