قراءة في كتاب الوافي تتمة2
) المنطق الداخلي للكتاب: الخصائص اللغوية والأسلوبية:
إن الذي تفضي بنا إليه معاينة لغة ابن تاويت التطواني من خلال كتابه "الوافي بالأدب العربي في المغرب الأقصى" هو أنها لغة تقريرية واضحة البيان، بعيدة عن كل تحبير خالية من أي تجيير. والمؤلف، بهذا المعنى، ابتعد عن لغة القدماء ممن آثروا السجع والبديع حليا يرصعون به صناعتهم التأليفية، وكأنه يعقد ميثاقا تواصليا فعالا مع قراء زمانه، ويجعل لغته شاهدة على روح عصره. مما يجعلنا نؤطره ضمن الكتاب ممن قال عنهم "شوقي ضيف" أنهم هجروا اللغة المنمقة وقضوا نهائيا على السجع وأزيائه من بديع وغير بديع، وفضلوا الكتابة بلغة جيلهم([1])، لأنها المعبر الحقيقي عن سكنات ومنعرجات فكرهم وحياتهم.
فالمعجم اللغوي الموظف في عرض أفكار الكتاب، معجم واضح لا يحتاج معه القارئ على الاستنجاد بالمعاجم اللغوية في شرح مفرداته. مما يصير مع هذا الوضع "فعل القراءة" فعلا متصلا لا يعوقه حاجز، كما يجعل الإصغاء إلى الكتاب إصغاء ممتعا ويقظا في الآن ذاته(*).
لننصت إلى شاهد انتقيناه من مستهل حديث ابن تاويت عن العهد الوطاسي: »في خضم تلك الأحداث الأليمة التي انتهت إليها الدولة المرينية، وفي تلك المعمعة التي كان يخوضها الشعب دفاعا عن سيادته التي تعرضت للغزاة المحتملين، وتحت وطأة الوباء الجاثم على البلاد منذ أمد طويل، وفي ذلك الانصراف عن كل ترف في الحياة ومباهجها، قامت هذه الدولة«([2]).
يتحقق الإمتاع في هذا المقطع، عبر استرسال الأسلوب وجزالته، وقصر الجمل والدقة في اختيار اللغة حتى تكون أقرب في التعبير إلى أفكار الكتاب.
أما اليقظة، فقد يستشعرها القارئ من خلال مؤشرات أسلوبية تقحمه في التعامل مع المتن، من قبيل استعمال ضمير الجمع المتكلم الذي يلغي ذاتية الكاتب في تناول القضايا المطروحة ويشرك القراء في تناولها. وتتحقق هذه اليقظة أيضا من خلال الاختلاف الكائن بين لغة وأسلوب الكاتب والنصوص الأدبية المستشهد بها خصوصا النثرية منها، مما يجعلها لغة ثانية تتغيا شرح اللغة الأولى بأسلوب نقدي وموضوعي.
كما جاءت فقرات الكتاب متلاحمة الأجزاء في صوغها، تجمع بينها روابط لغوية متنوعة حسب تنوع الموضوعات المتطرق إليها وطبيعة الانتقال من فقرة إلى أخرى، ومن بين تلك الروابط، نجد: حقيقة أننا إلى جانب وبنحو هذا وبنحو هذا وهكذا نجد لقد كما أما إن أما الآن ... وغيرها.
باستقرائنا لهذه المعطيات على الرغم من قتلها يمكننا القول بأن كتاب "الوافي" يعد من أبرز الكتب التأليفية المغربية التي انفتحت على عصرها من حيث التجديد في اللغو والأسلوب.
على سبيل الختم:
لعمري إن جولتنا القرائية في هذا المؤلف، كانت جولة تبتغي تلمس بعض الجوانب المضمونية والشكلية فيه، ولا ندعي أنها قد أوفته حقه كاملا، بل تلك إشارات قدمناها لتقريب هذا المتن وإضاءته باعتباره من جهة أحد الكتب التأليفية التي تزخر بها مكتبتنا الأدبية المغربية ولها علينا حق النظر فيها، ولكي نساهم من جهة أخرى في تشكيل رؤية حول المسيرة التطورية التي قطعها النثر التأليفي المغربي الحديث والمعاصر.
لائحة المصادر والمراجع
المصادر:
æ أبو الفضل جمال الدين محمد بن كرم بن منظور، لسان العرب، تحقيق: عبد الله علي الكبير محمد أحمد حسب الله هاشم الشاذلي، دار المعارف، القاهرة، (د.ت).
æ مجد الدين محمد يعقوب الفيروزأبادي، القاموس المحيط، دار الفكر، م 4، بيروت، 1983.
æ محمد ابن تاويت، الوافي بالأدب العربي في المغرب الأقصى، (ثلاثة أجزاء) دار الثقافة، الطبعة الأولى، الدارالبيضاء، 1983.
المراجع:
أ- الكتب:
æ جمال بنسليمان، موسوعية البحث العلمي عند أعلام المغرب في القرن العشرين، د. عباس الجراري نموذجا، منشورات النادي الجراري، مطبعة الأمنية، الرباط، 2004.
æ محمد احميدة، الكتابة الإصلاحية بالمغرب خلال القرن التاسع عشر قضاياها وخصائصها الفنية، دار المناهل، الطبعة الأولى، الرباط، 2002.
æ محمد مندور، النقد المنهجي عند العرب ومنهج البحث في الأدب واللغة (مترجم عن الأستاذين "لانسون" و"ماييه")، دار نهضة مصر للطباعة والنشر، القاهرة، (د.ت).
æ عباس الجراري، الأدب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه، مكتبة المعارف، ج1، الطبعة الثالثة، 1986.
æ عباس الجراري، خطاب المنهج، منشورات النادي الجراري، الطبعة الثانية، دجنبر 1995.
æ عز الدين بونيت، مقدمات في الأدب والنقد، منشورات حلول تربوية، مطبعة وليلي، الطبعة الأولى، 1998.
æ شوقي ضيف، البحث الأدبي: طبيعته مناهجه أصوله مصادره، دار المعارف، مصر، القاهرة، 1972.
ب- المجلات:
æ الحبيب المبروك، في علوم النقد الأدبي، مجلة علامات في النقد، م 14، ج 59، جدة، 2006.
æ م جمال عليان، الحفاظ على التراث الثقافي، (نحو مدرسة عربية للحفاظ على التراث الثقافي وإدارته)، سلسلة عالم المعرفة، ع 322، الكويت، ديسمبر 2005.
æ عبد الله بن عتو، تداخل الأدب والتاريخ في كتاب "نشر المثاني" لمحمد بن الطيب القادري" مجلة كلية الآداب الجديدة، ع 1، الدارالبيضاء، 1993.
æ عبد الله المرابط التوغي، ظاهرة الاقتباس وقضايا الصناعة الأدبية والبلاغية: دراسة في كتاب النبراس في بديع الاقتباس لعبد الله جسوس، مجلة كلية الآداب تطوان، ع 9، 1999.
ج- موقع إلكتروني:


Commentaires