قراءة في كتاب الوافي-تتمة1
ج) الجزء الثالث:
ظل المؤلف، في هذا الجزء، وفيا للطريقة التي سلكها في الجزء الثاني، وذلك راجع لنفس الأسباب التي أشرنا إليها، إذ وجد أمامه كمًّا أدبيا زاخرا لم يجد معه تعاملا آخر غير المرور السريع على أدب العهدين السعدي والعلوي.
ففي الباب السادس المخصص للعهد السعدي، أتى المؤلف على ذكر ما يناهز الثلاثة والخميس كاتبا وشاعرا، مقسمين إلى فصلين. فصل أول ربطه ببداية الدولة السعدية وازدهارها وفصل ثان حدد معالمه في مرحلة ما بعد وفاة المنصور السعدي. وهذا البعد السياسي والتاريخي هو البعد الغالب في تناول الأدب، إذ قليلا ما نعثر في سطور هذا الباب عن حديث حول الجوانب الأدبية في الأدب.
أما الباب السابع، فقد جزأه المؤلف بدوره إلى فصبين؛ الفصل الأول منهما يلخص فيه الحياة الفكرية والأدبية للدولة العلوية قبل فرض الحماية على المغرب. والفصل الثاني يصور من خلاله أدب عهد الحماية.
يفسر المؤلف في الفصل الأول ازدهار الأدب العربي في المغرب الأقصى و"صعوده في سلم النشوء والارتقاء" بتشجيع الملوك العلويين للحركة الأدبية والثقافية واستمالتهم للشعراء والأدباء والمفكرين وتكريمهم بالجوائز المادية. ومن هؤلاء الذين شملهم هذا التحفيز: أبو زيد عبد الرحمن الفاسي ابن زاكور محمد الشرقي الفاسي الطاهر ابن أحمد البلغيتي محمد بن محمد بن محمد غريط ... كما يقرن، ابن تاويت، الأدب في الفصل الثاني بعهد الحماية ودفاع الشعراء عن مقومات الشخصية المغربية، بداية مع محمد السليماني الغريسي ونهاية بشاعر الحمراء محمد بن إبراهيم. وبين البداية والنهاية مرور سريع على الآثار الأدبية والفكرية للأعلام التي برزت في هذه المرحلة النضالية برعيليها الأول مع: محمد اتلجزولي أبو العباس احمد النميشي أبو عبد الله محمد بوجندار محمد بن اليمني الناصري ... ورعيلها الثاني مع: علال الفاسي عبد الملك البلغيثي محمد المختار السوسي عبد الله كنون محمد القري ... وغيرهم.
وما يمكن تسجيله، في نهاية إضاءتنا لبعض الجوانب المضمونية للفصل السابع، هو تطرق صاحب الوافي للشاعر الزجال قدور العلمي بخلاف تطرقه للمقطوعة الزجلية للشاعر السعدي محمد بن يحيى بهلول. يقول: «... وهي في الواقع أزجال، طرق بها فنونا متعددة، وتتسم ببلاغتها وحسن صوغها، مما لا يصدر إلا عمن له نصيب من الأدب الفصيح في أمداحها ومواعظها وحكمها وغزلياتها»([1]).
وما قلناه عن الاختلاف في تطرق ابن تاويت إلى الزجالين يبقى اختلافا بسيطا، فعلى الرغم من هذه الإشارات حول بعض الجوانب الفنية التي قدَّمها تظل نظرته نظرة تقزيمية لهذا النوع الأدبي الشعبي في ربط الجيد منه بالأدب الفصيح.
3- المنطق الخارجي للكتاب: إشكالية المنهج:
إن «تاريخ الأدب جزء من تاريخ الحضارة»([2])، هذا ما قاله لانسون وهو ما نمضي منه بمقاربة المنطق الخارجي لكتاب "الوافي بالأدب العربي في المغرب الأقصى" باعتباره كتابا تأريخيا للأدب.
لا مندوحة من أن الكتب التأريخية، بشكل عام، كانت عند العرب قبل القرن العشرين «تعتمد بشكل أساسي على سرد الأحداث كما وصل إلى أسماع المؤلفين»([3]) سردا تأريخيا "تقليديا". لكن، ما انفك المؤلفون العرب يبتعدون عن هذا النمط التقليدي لاتصالهم بالثقافة الغربية، واستفادتهم منها في شتى المجالات المعرفية من بينها المعرفة المنهجية.
ونفس الطرح يقدمه لنا الدكتور عباس الجراري في رسمه للمنحى التطوري الذي عرفته الكتابات التأريخية للأدب المغربي في القرن العشرين، حيث ميز فيها بين مرحلتين منها، نعت المرحلة الأولى بـ"بوادر" و"إرهاصات" تشكل وعي تاريخي مع زمرة من التآليف من قبيل: "تاريخ الشعر والشعراء بفاس" لأحمد النميشي المؤلف سنة أربعة وعشرين وتسعمائة وألف "الأدب العربي في المغرب الأقصى" لمحمد بن العباس القباج، المفروغ من تدوينه عام تسعة وعشرين وتسعمائة وألف "النبوغ المغربي في الأدب العربي" لعبد الله كنون، المدون سنتي ثمانية وثلاثين وتسعمائة وتسعة وثلاثين([4]).
وكان من مميزات هذه الكتابات التأليفية طابع التجميع وفق تسلسل تاريخي. كما كان هدفها الأساس التعريف بالأدب المغربي، من جهة، ومواجهة "الآخر" المستعمر من خلال بناء "الأنا" المغربية ثقافيا، من جهة أخرى([5]).
أما المرحلة الثانية، فقد شهدت على بناء الجامعات المغربية الحديثة التي نهلت من المستجدات والمستحدثات المعرفية الغربية([6]). وحسبنا أن كتاب "الوافي" مؤطر ضمن "إنتاجات" هذه المرحلة نتيجة للعوامل التالية([7]):
- اشتغال صاحب الوافي بالترجمة من لغات مختلفة.
- اشتغاله كباحث في معهد فرانكو للأبحاث العربية الإسبانية.
- تدريسه بعدة جامعات مغربية.
- توليه لمناصب علمية عديدة.
لا مناص من أن يكون لهذه العوامل بالغ الأثر على حياة الرجل العلمية، وهذا ما نود تلمسه في كتاب كمؤشرات تضع أعيننا على المحطة التي ينتمي إليها ضمن المسيرة التطورية للنشاط التأليفي المغربي. يقول في منهاج الكتاب: » إن المنهج التاريخي، في جل الدراسات، خصوصا النظرية منها، سليم قويم، دعا إليه جمهرة من الفلاسفة في الحديث والقديم، واستعملوه في دراستهم الفلسفية، فأتى بالنتيجة المطلوبة الصحيحة التي لا تحتمل الجدال والتشكك فيها، لأنها مبنية على مقدمات« ([8]).
ويسترسل حديثه في نفس المقام: » كذا قال المناطقة في أقسيتهم، وكذا نقول في دراستنا لأدبنا، وهي دراسة صاعدة في سلم النشوء والارتقاء ...« ([9]).
من الملاحظ أن ابن تاويت التطواني على عكس المؤلفين المغاربة الذين سبقوه قد خصص قولا منفردا يوضح فيه المنهج الذي سوف يتتبعه، إذ يعلن بداية عن توسله بالمنهج التاريخي في دراسته للأدب العربي في المغرب الأقصى.
ونعلم أن المنهج التاريخي هو أول المناهج الخارجية التي حاولت رصد الظاهرة الأدبية. وقد أخذ منحاه العلمي عند استدعائه للعلوم الطبيعية مع "سانت بوف""Sainte Beuve" الذي اعتبر الأدب ثمرة "قوانين حتمية". وجاء بعده تلميذه "تين""Taine" الذي عمق هذا الفهم في دراسته لتاريخ الأدب الإنجليزي وفق قوانين ومعايير ثلاثة هي: الجنس، البيئة والعصر([10]).
والمقصود بـ"الجنس" عند "تين" هي كل "الخصائص الفطرية" التي يرثها الخلف عن الأسلاف، والمراد بـ"البيئة" هو المكان أو "الوسط الجغرافي" الذي يترعرع فيه الأديب ويكتسب منه عاداته وتقاليده وأخلاقه وروحه الاجتماعية. أما "العصر" فهو الفترة الزمنية بمنعرجاتها السياسية والثقافية والفنية والدينية([11]).
ووصل الربط بين المنهج التاريخي والعلوم الطبيعية إلى محاولة تطبيق "برونتيير" هو التشابه بين تطور الأحياء وتطور الأنواع الأدبية، فالأدب في نظره ينمو ويتوالد وفق "دوافع تاريخية"([12]).
استنادا إلى ما تطرقنا غليه حول تحمس محمد بن تاويـت للمنهـج التاريخي، واستنادا أيضا إلى تلك الإضاءات اليسيرة التي قدمناها حول المنهج التاريخي، تنبثق الأسئلة وتتوالد: هل تحتفظ المناهج بشكل عام بنفس الخصوصية في هجرتها من سياق حضاري إلى سياق حضاري آخر؟ وإذا كان اختلاف السياقين يجيب بالنفي، فكيف تمثل المؤلف المنهج التاريخي في دراسته للأدب العربي في المغرب الأقصى؟ هل تعامل مع هذا المنهج كقالب جاهز يفرغ فيه معرفته التاريخية حول هذا الأدب؟ أم أن بعض الخصوصيات قد فرضت عليه التعامل المرن مع هذا القالب، وبالتالي، تطويعه مع الشرط الحضاري العربي والمغربي؟
إن أول القضايا التي يطرحها المنطق الخارجي للكتاب هو التبويب الذي هَيْكَلَ به ابن تاويت مؤلف في أجزائه الثلاثة.
وتبويب الكتب ليس بجديد على المؤلفين المغاربة، وهذا ما نخلص إليه باستحضارنا للمجهود الذي قام به الدكتور محمد احميدة في محاولته كشف خصائص ومقومات الكتابة التأليفية الإصلاحية، حيث وقف وقفة متأنية حول "بناء الأبواب والفصول" عند نماذج من الكتابة الإصلاحية([13]).
وما يدعونا إلى النظر في "بناء الأبواب والفصول" في هذا الكتاب، هو عدم خضوعه للتبويب وفق موضوعات أو ملامح أدبية عامة، وغنما حسب السمات السياسية للدول التي تعاقبت على حكم المغرب. يقول صاحب الوافي: » ومهما يكن، فقد جعلنا لهذا الأدب أبوابا تضمنت فصولا، يكون أولها ما قبل المرابطين، وثانيا عصر المرابطين، وثالثها الموحدين، ورابعها المرينيين، وخامسها عصر الوطاسيين، وسادسها عصر السعديين، وسابعها العهد العلوي الحالي«([14]).
ويدافع عن هذا الاختيار بقوله: »فهي إذن مراحل تاريخية، مرتبطة بالإمارات والدول (...) والسبيل قد اتضح لمن يريد أن يساير أدبنا العربي فيقطع معه الأشواط الزمنية التي قطعها في ألف أو يزيد، بالإضافة إلى كون أغلب الآثار الأدبية صادرة عن رجال كانوا من رجال الدولة أو على اتصال بها وبرجالها«([15]).
والمتصفح لمتن الكتاب ليستنتج، كما أشرنا في مضمون الكتاب، أن التبويب يتسم بالتفاوت النصي. ففي الباب المتعلق بالعهد ما قبل المرابطي، لم يتجاوز عدد صفحاته إحدى عشرة صفحة. فيما بلغت المساحة النصية للباب الثالث المخصص للعهد الموحدي مائتين واثنين وستين صفحة. كما أن هناك أبواب قسمت إلى فصلين، فيما جاءت أبواب أخرى موحدة المقام. ويمكن تفسير هذا التفاوت بنذرة الآثار الأدبية أحيانا، كما هو الشأن بالنسبة للعهد ما قبل المرابطي، ووفرتها أحيانا أخرى كما هو الحال بالنسبة للعهدين الموحدي والعلوي(*).
ونعود بالحديث إلى منطق هذا التقسيم وفق العصور السياسية، فنجد لصاحب الوافي مبررا له من داخل المنهج التاريخي. وقصدنا "قانون العصر" عند "تين". حيث يقرن المؤلف الأدب العربي في المغرب الأقصى بالإطار الزمني الذي "أُنْتِجَ" فيه بكل معالمه السياسية والدينية والفكرية. أما فيما يخص "قانون البيئة"، فإننا نستشفه من خلال بعض المعلومات التي يقدمها لنا المؤلف حول حياة الأديب. ففي حديثه مثلا عن الشاعر الموحدي أبي العباس أحمد الجراوي، يُؤَطِّرُ لنا الشاعر في الفترة الزمنية التي عاش فيها، ورحلته في طلب العلم بين مراكش وفاس والأندلس، واتصاله بالبلاط الموحدي لردح غير قصير من الزمن، مما كان لهذه العـوامل حسب رأي ابن تاويـت تأثير في قريحـة الجـراوي التي لم تخـرج في الغالب عن غرض المدح والتصوير للأحداث السياسية([16]).
لكن، على الرغم من استحضار المؤلف لتأثير بيئة البلاط على الشاعر فإنه لا يرى في تلك البيئة البعد الواحد والوحيد. لأن التحكم في هذا الشعر هو البيئة العربية العامة، وهذا ما يتضح لنا من خلال استجلائه لمظاهر تأثير أدب المشارقة والأندلسيين في أدب المغرب الأقصى، و"كأن الأقاليم العربية إقليم واحد، ومرجع ذلك إلى أن الأدب كان يرتفع عن بيئته الخاصة ليحاكي أسلافه النابهين"([17]).
وكشاهد على رؤية ابن تاويت حول طبيعة البيئة الفاعلة في الأدب، نستظهر رأيه حول قصيدة للجراوي، والتي مطلعها([18]):
نظر بكل سعادة مقـرون í نالت به الدنيا المنى والدين
تقديم من شهد الوجود بأنه í ما زال بالتقديـم فيه قمين
حيث يقول فيها: » ولا شك أنه قد نظر في القصيدة إلى ابن هانئ، ايضا، وهو يمدح المعز بقصيدته:
هل من اعقة عالج يبرين í أم منها بقر الحدوج العين«([19])
كأننا نفهم من قول صاحب الوافي أنه كان محتاطا في تعامله مع هذا العنصر في دراسته للأدب العربي في المغرب الأقصى. ولعل هذا التعامل الحذر نابع بالأساس من إداركه للمشترك الذي يجمع الأدب المكتوب باللغة العربية في مختلف الأقاليم العربية. وهنا يتقاطع المؤلف مع الدكتور شوقي ضيف الذي يرى بأن » أدباء العالم العربي في مشارقه ومغاربه انفصلوا عن بيئاتهم واندمجوا في بيئة عامة واحدة، وهو اندماج يعبر عن إحساس قوي بالمحافظة على شخصية الأدب العربي الذي تثبت له على مر الزمن«([20]).
أما "قانون الجنس" فقد حضر في هذه الدراسة في خضم التعريف بحياة الأدباء، ويتجلى هذا الحضور من خلال إرجاع أغلب الأدباء إلى أصولهم التي ينحدر منها، يقول المؤلف في بعض مواطن كتابه:
» هذا الأديب يختلف عن معاصره، بأنه لم يكن أندلسي الأصل بل كان مغربيا صميما من مكناسة ...« ([21]).
Retour aux articles


Commentaires
le 10/09/2007 à 22:51:04
How are you?
le 29/11/2007 à 10:17:28
Good design, who make it?