قراءة في كتاب الوافي بالادب العربي في المغرب الاقصى
تقديم:
قد يكون الداعي إلى دراسة النثر التأليفي المغربي في خطيته هو القبض على المنفلت من تاريخه وفهم مساره التطوري. وانطلاق من هذا الفهم قد نستطيع استيعاب المنطق الخارجي للخطاب، وبالتالي، التزود بالإواليات الأولى لرصد الظاهرة الأدبية. إذ بدونها لا يمكن النفاذ إلى كنه الخطاب وكشف عناصره الداخلية.
وعليه، يسعى هذا العرض إلى تسليط الضوء على مَلْمَحٍ من بعض ملامح الكتابة التأليفية في مغرب القرن العشرين. وذلك من خلال قراءتنا لأحد الكتب الشاهدة على هذه الفترة الزمنية من حيث الكتابة التأريخية للأدب.
ومقصدنا هو كتاب «الوافي بالأدب العربي في المغرب الأقصى» لصاحبه محمد بن تاويت، ولسنا نزعم في هذا المقام تقديمه تقديما كاملا. إذ ما نروم إليه لا يعدو أن يكون مجرد محاولة قرائية تستدعي بدورها قراءات أخر تتقدم بـ«فعل القراءة» إلى مراده المنشود.
بعد طرحنا للسياق المعرفي الذي يؤطر عرضنا، نتوسل بالخطوات التالية كآلية منهجية لتنظيم أفكارنا:
1- الموازيات النصية ودواعي التأليف.
2- مضمون الكتاب.
3- المنطق الخارجي للكتاب: إشكالية المنهج.
4- المنطق الداخلي للكتاب: الخصائص اللغوية والأسلوبية.
1- الموازيات النصية ودواعي التأليف:
إن الإقدام على «فعل الكتابة» ليس إقداما بريئا، بل ينطوي في ذاته على رؤية تتحكم في منطق هذه الكتابة والنتائج المتوصل إليها من خلالها. مما يجعل الكشف عن الغاية من التأليف أولى مراحل اتصالنا بالمتن قيد الدرس. ونستدعي، في هذا الإطار، الموازيات النصية لصعوبة الفصل الإجرائي بين المستويين؛ إذ لا يمكن الكشف عن خلفيات الكتابة دون الاستضاءة بتلك الموازيات، ولا يمكن أيضا حصر هذه الأخيرة منهجيا إلا من خلال ربطها بالخلفيات.
ونعلم أن الموازيات النصية هي كل تلك النصوص المتخللة لإضاءة المتن الكلي: كالعنوان، المقدمة، الإهداء، الفاتحة، الملحق، الذيول، الهوامش، الفهارس ... وغيرها. وهي تأتي، بالإضافة إلى إرشاد القارئ وتوجيهه، قصد بيان بواعث التأليف وغاياته([1]).
لعل أول تلك الموازيات النصية التي يصادفها القارئ هي: العنوان. إذ لا مناص من عبوره لنلج إلى عالم النص باعتباره موطنا لتجمُّع الدلالات وبؤرة لتكثيف تضاريس الكتابة.
و«الوافي بالأدب العربي في المغرب الأقصى» "هو العنوان الذي اختاره الأستاذ محمد بن تاويت لمولفه. فما هي يا ترى مقصدية اختياره؟
نجد في القاموس المحيط بمادة: «وفى بالعهد كوعى وفاءً وضده غدر، كأوفي الشيء وُفِيّاً ... كثر فهو وفي ووافٍ»([2]).
وفي لسان العرب تحديد لنفس المادة اللغوية على الشكل الآتي:
«قال الحطيئة: وفي كيْلَ لا نيبٍ ولا بكراتِ
أي تمَّ. قال: ومن قال وفى بمعنى أو فاني حقَّه، أي أتَمَّهُ ولم ينقص منه شيء.
والوافي في الشعر ما استوفى من الاستعمال عدة أجزائه في دائرته. وقيل: هو كل جزء يمكن أن يدخله الزحاف فسلم منه»([3]).
نقول، بصيغة تأويلية لدلالة العنوان، أن ابن تاويت يعلن بداية أن مؤلفه سيكون وافيا، أي تاما لا نقص فيه لكل ما جاء من أدب عربي في المغرب الأقصى. من هنا تأتي مشروعية السؤال:
هل بالإمكان الحديث في مجال الأدب باعتباره جزء من العلوم الإنسانية عن دراسات تامة ووافية؟ وما هي الخلفية وراء نعت هذا الأدب بأنه عربي في شموليته ولم ينعت بالرقعة الجغرافية المحددة في العنوان (المغرب الأقصى).
يقول صاحب الوافي في مقدمة الكتاب: «من المفروغ منه أن الأدب بالمغرب كان من الناحية التاريخية آخر ما تنفست به العربية في أقطارها ...»([4]).
ويقول في التوطئة: «فالقومية التي دعا إليها الداعون في المشرق، وكنا من تلاميذ نتحمس لها مبدئيا. لم نجد لها مرآة صافية في أدبنا، ولا في أدب كان وما زال في باقي البلاد العربية، وهو أدب الفصحى التي تهيمن بحمد الله علينا جميعا»([5]).
ويضيف في نفس الإطار: «وكذلك لا نقول "الأدب المغربي" كما قلنا بذلك. وكتبنا فيه، بإحدى المجالات تحت "ظهور الأدب القومي العربي" لأن هذا الأدب الفصيح ليس له من مميزات خاصة به أيضا (...) فالحمد لله مرة أخرى على هذه الفصحى التي لا تنفصم عراها»([6]).
ويذكر في خاتمة الكتاب متحدثا عن شعر الملحون: «ومهما يكن فقد ظهر الملحون ووجدناه في العهد الوطاسي (...) وفي "قصيدة الحربي" للشاعر ابن عبود (...) وكان مع سيد عمرو الوطاسي (...) ثم عبد العزيز المغراوي أيام المنصور السعدي»([7]).
وبعودتنا إلى فهرس الموضوعات لا نجد إشارة لا من قريب أو من بعيد إلى كشعراء الملحون باستثناء ذكره لزجَّالين اثنين هما: محمد بن يحيى البهلول من العهد السعدي وقدور العلمي من العصر العلوي.
إن دلت هذه الموازيات النصية على شيء، فإنما نذل على أن المؤلف لا يرى الأدب العربي في المغرب الأقصى انطلاقا من خصوصيته. بل في ارتباطه كجزء ضمن كلية الأدب العربي الفصيح. ومقصده في ذلك، التعريف بأحد مكونات الأدب العربي عن طريق تقديم ما «أُنْتِجَ» منه في المغرب الأقصى وربطه بالسياق التاريخي العربي بشكل عام، إلى جانب تدارك النظرة التجزيئية لهذا والنظر إليه بمعزل عن الحدود القومية الضيقة إلى بعد عربي أوسع.
تمور هذه التمثيلات على الرغم من كثافتها بآفاق أرحب للرؤية، ووحده الركون إلى النص يزَكِّيها.
2- مضمون الكتاب:
ألف محمد بن تاويت كتابه في حيز نصي يزيد على الألف صفحة، موزعة على ثلاثة أجزاء وتتضمن في مجملها سبعة أبواب.
أ) الجزء الأول:
تطرق المؤلف في هذا الجزء إلى ثلاثة أبواب، خصَّ الأول منها بالعهد ما قبل المرابطي، إذ سعى فيه إلى تقديم تفسير لتأخر ظهور الأدب العربي في المغـرب. كما حاول أيضا رصد الإرهاصات الأولى لتشكل هذا الأدب، وبعض المراكز الثقافية التي مثلته آنذاك. وينتقل الكاتب، في الباب الثاني، إلى العهد المرابطي والذي اختزل ازدهار الأدب فيه إلى بعدين؛ بعدٌ سياسي قوامه استقرار البلاد. وبعد آخر تثاقفي لتأثير الأندلسيين في المشهد الثقافي والأدي المغربي، أمثال: الحصري، ابن حمديـس والمعتمـد بن عباد. إذ كان لهؤلاء حسب رأي المؤلف دور اللقاح الذي أثمر أبرز أعلام الأدب والثقافة المغربيين، من قبيل القاضي عياض وابن زنباع. وفي خضم حديثه عن هاتين الشخصيتين، قدم تعريفا لهما وبعضا من والنماذج من أدبهما. حيث وقف، مني المستهل، على بعض قصائد ابن زنباغ دارسا إياها وفق الخطوات التحليلية التالية:
- تحديد الغرض وربطه بالسياق التاريخي والسياسي والاجتماعي.
- المعجم.
- التصوير.
- بعض الظواهر الإيقاعية.
وعلى نفس المنهج، عمد إلى دراسة مختارات من شعر القاضي عياض، قبل أن ينتقل آثاره النثرية، من رسائل وخطب بالإضافة إلى كتاب له في النقد والبلاغة (كتاب بغية الرائد). إذ حاول المؤلف ملامسة بعض عوالم هذه الكتابة النثرية، من خلال ما وجد بها من محسنات بديعية واقتباس، ناهيك عن استجلاء بعض مظاهر التأثر بالكتاب المشارقة أمثال: عبد الحميد وابن العميد. مع تغليب العوامل السياقية التي تلفُّ هذه النصوص على العوامل الفنية.
وبعد هذا الوقوف المتأني لابن تاويت حول القاضيين، أنهى هذا الباب بذكر شعراء آخرين، وهم: عبد الله حماد المراكشي عبد المومن السجلماسي حماد بن الرفا الفاسي ابن يقظان ابن شقرون الأغماتي. والملاحظ أن "صاحب الوافي" قد اكتفى بذكر نتف من أشعارهم. دون أن يقدم لنا تحليلا حول ذلك الوقوف المتمعن والفاحص حول القاضيين، وهذا المرور الشريع في تناول هؤلاء الشعراء. اللهم إذا ما عدنا إلى ما قاله في "منهاج الكتاب": «وإن ضاق بعضها بعد اتساع، فذلك كله من قبيل الاستراوح لا غير»([8]).
أما الباب الثالث، فقد قسمه إلى فصلين، جاعلا الفصل الأول مقاما للنظر في أعطاف أدب المخضرمين ممن عاشوا العهد المرابطي وجزءا من العهد الموحدي. حيث بدأ حديثه بأربعة شعـراء، هم: ابن حبـوس – أبو العباس أحمد الجراوي – أبو الحفص الأغماتي – أبو الربيع سليمان الموحدي. والواضح أنه قد اختار مسارا واحدا في تتبع الملامح الشعرية للثلاثة الأولين؛ كالتعريف بشخصيتهم وبعض الأحداث التي ساهمت في رسم معالمها، الانتقال إلى ذكر بعض الأغراض التي نسجوا فيها في ارتباطها كما أشرنا سلفا إلى السياق العام (كارتباط المدح بالبلاطات والتأثير بالأندلسيين في شعر الوصف وشعر الطبيعة). كما كان يلجأ في بعض المواطن للاحتكام إلى المتن الشعري قصد البث في مظاهر القوة والضعف الشعريين (قضية الاقتباس – التضمين – علاقة الألفاظ بالمعاني ...). لكن ما برح وأن شاب هذا المسار شيء من الاختلال عند مقامه لدى الشاعر الرابع: أبو الربيع سليمان الموحدي. وما يؤشر على ذلك، الرقعة النصية الكبيرة التي خصصها لهذا الشاعر من مساحة الكتاب مقارنة مع باقي الشعراء الآخرين. ولا نجد،، هنا، لصاحب الوافي حجة، إلا ما نعرفه عنه، حيث قام بتحقيق ديوان هذا الشاعر بالاشتراك مع ابن عمه ابن تاويت الطنجي وسعيد أعراب ومحمد بن العباس القباج([9]). مما يدفعنا إلى القول إن توفر المادة الشعرية، محققة في كليتها، قد ساعد المؤلف على النظر في أغلب مميزاتها (المادة الشعرية). وعدم توفر هذا العامل في الشعراء الآخرين هو في رأيي سبب هذا الاختلال.
وإذا ما استثنينا بعضا من الأغراض الجديدة التي سبق هذا الشاعر إلى النظم فيها، لم يخرج كما يؤكد على ذلك الكاتب عن إطار سابقيه ...
وعند نظره في نثر هذه الحقبة، ذكر لنا ابن تاويت ستة أعلام، هم: أبو جعفر بن عطية وأخوه أبو عقيل في الترسل السلطاني الشريف الإدريسي من خلال كتاب له في الجغرافيا بعنوان: "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق مؤلف مجهول من خلال كتاب له في التاريخ وهو كتاب: "الاستبصار في عجائب الأمصار عبد الواحد المراكشي ممثلا بكتابه "المعجب في تلخيص أخبار المغرب" وهو كتاب موسوعي يجمع بين التاريخ والجغرافيا ابن الزيات من خلال كتابه "التشوف إلى رجال التصوف" وهو كتاب في تراجم المتصوفة.
لقد درس المؤلف هذه الكتب لقيمتها التاريخية من جهة ولما تكتنفه من معرفة أدبية تضع أيدينا على الخصائص التأليفية عند المغاربة في هذا الإطار الزمني من جهة أخرى.
وقبل أن يختم ابن تاويت التطواني الفصل الأول من الباب الثالث، ذيَّله ببعض أشعار المتصوفة في القرن السادس وأوائل السابع. ولعل هذا الإدراج لم يخضع، فقط، للمسار التصاعدي للمتن بقدر ما سيلاحظ القارئ أنه، أيضا، تناسل من مخاضات الحكم على كتاب "التشوف إلى رجال التصوف".
إذا كان هناك من ملاحظة أخرى، قبل الانصراف عن هذا الفصل، فهي أن صاحب "الوافي"، في تأطيره لهؤلاء الأدباء في خانة المحضرمين قد اكتفى بذكر أشعارهم التيخلفولى شيء منها في العصر المرابطي.
هكذا نفرغ من الفصل الأول من الباب الثاني لنتصل بالفصل الثاني منه، كوالذي ذكر فيه ابن تاويت الأدباء الموحدين ممن عاشوا فترة انحلال دولتهم والصراعات السياسية التي رافقت ذلك، إذ ربط نصوصهم الشعرية والنثرية بهذا الوضع العام. مع الاقتصار كسالف عهده على بعض الجوانب الفنية. وهؤلاء الأدباء هم: الأمير ميمون الخطابي ابن عبدون المكناسي مالك ابن المرحل محمد بن الحسن ابن المحلي. وينهي كما أنهى الفصول السابقة بذكر بعض من شعر المغمورين.
ب) الجزء الثاني:
قد يبدو الانتقال من الجزء الأول إلى الجزء الثاني انتقالا من عوالم نصية إلى أخرى مغايرة، حيث ذكر في هذا الجزء اثنان وستون أديبا، ولم يتجاوز الحديث عن الأديب الواحد صفحتيـن على الأكثر. لكن ذلـك لا يعني أن المؤلف قد زاغ عن مسار الجزء الأول. لأنه من ناحية ظل وفيا لنهجه السابق في تناول الأدب من خلال ربطه بالعوامل السياسية والتاريخية والاجتماعية وتبيان بعض مناحيه الفنية، ومن ناحية أخرى، كان لابد للتطور الذي قطعه الأدب المغربي في مراحله السابقة أن يقرب، أكثر، الأدب إلى روح المغاربة. وبالتالي يصير تزايد عدد الأدباء أمرا طبيعيا يفرضه المسار التصاعدي للتاريخ وسنة الأدب التطورية. مما جعل المؤلف أمام كم نثري وشعري لا يستهان به، إذ يستعصى الإحاطة بكل جوانبه في أي دراسة تنوي الكمال والشمول.
أمام هذا الوضع، تناول المؤلف في هذا الجزء كلا من الباب الرباع والباب الخامس. حيث رصد لنا في الباب الرابع شعر المرينيين على منوال رصده للشعر في العصور السابقة، رغم بعض التفاوت النص كما أشرنا إلى ذلك سلفا. أما نثر هذه المرحلة فقد تتبع فيه النشاط التأليفي للمغاربة من خلال كتب قيدت في مجالات مختلفة؛ كالتاريخ، اللغة، والنحو، والجغرافيا ... ومن بين هذه الكتب: "الذيل والتكملة" لمحمد بن عبد الملك المراكشي "البيان المغرب" لابن عذاري "الروض المعطار" لأبي عبد الله بن عبد المنعم الصنهاجي السبتي. حيث تفاعل مع هذه المؤلفات وفق الخطوات التالية:
- الترجمة لحياة الكاتب.
- وضع الكتاب في سياقه التاريخي.


Commentaires