دراسات 2

       الفصل الأول

  تسبح الكتابة في تأمل ذاتها من خلال علاقاتها المتشابكة، المنسوجة بخيوط عنكبوتية نابعة من اللغة/الذاكرة، التي تلقي بظلالها على الحاضر محاولة منها ملامسة «الأزقة الضيقة» التي تحيل على «المدينة الأخطبوط»ذلك الواقع الإسمنتي المبني على «عواطف خافتة وعنيفة» هي الوجه الآخر للمدينة «وجه منسي»، «مدفون في القلوب والقبور واللغات»:

"أربي (الكبدة) على المدن, أنا مثل ذلك السائح الأجنبي القرير العين الذي لا يتوقف عن تدوين مذكراته, أربي (الكبدة) على الكتابة, وعلى الزاوية التي ينظر منها كاتب ما إلى المدينة إلى تلك المرأة"(1).

 

    من خلال هذا الاسترشاد الدلالي, تصير الكتابة هي الطريق (البديل الموضوعي) الموصل إلى «السري» عبر تفجير القاص محمد عزيز المصباحي لإمكانيات البوح بعشق الكتابة المكسرة لصمت ما «دفن تحت النخلة من كلمات», وذلك من خلال علائق تجعل من السارد مُشرعا على المحو والتجريح اللذان يتمظهران باستجلاء النصوص المكونة للمجموعة القصصية ككل,وذلك حسب الشكل التالي(2):

{السارد=مراكش

{السارد=الوردة

{السارد=العنكبوت

{السارد=الجثة

{السارد=مراكش=الوردة=العنكبوت=الجثة.

إن الوعي بتعدد الأصوات المتناوبة على فعل السرد يجعل من فعل الكتابة نسيانا للذات وإحالة إلى الخارج ونقيض الذاكرة المستبطنة أو المحيلة إلى الداخل(1):

"...لن أحكي لك القصة بكاملها".(2)                    

وعن طريق هذا الوعي, تغدو الكتابة القصصية متعةً للغياب, متعة كتاب غائب." ذلك لأن الكتاب الحقيقي مرتبط ببياض الكفن, بمحو العلامة وارتهان المعنى"(3) بما هو متعذر عن الكتابة:

"أعتقد أني أعرفك كما اعرف نفسي/ ومع ذلك فنحن مجرد نسخ رديئة لنسخة أصلية مفقودة/ ماذا تقصد بهذا الكلام؟ /أقصد الحقيقة بدون سكر. المشكلة الحقيقية, في الحقيقة ليست هنا/ أين؟/ إنها فيك أنت, لقد صرت شخصا آخر وكأنك لست أناي. إنك لم تعد تحسن فعل أي شيء سوى أن تركب على كتفي طوال النهار,هل تفهمني؟ كم تحتاج من الشرح والتأويل والهدر والتوكيد والجناس والوعظ وقطع السكر البيضاء لتحلي بها الحقيقة السوداء؟..."(4).

 

تلج الكتابة هنا مونولوجا داخليا لتسائل من خلاله نفسها كحقيقة سوداء يكبلها وهم الانكتاب بشقيه: الفني(الشرح, التأويل, الهدر, التوكيد, الجناس, الوعظ) والشكلي (قطع السكر البيضاء التي تؤشر على البياضات التي يتركها النص). لكن, ألا يقول هذا المونولوج الداخلي بلا انكتابية اللغة؟ أليست هذه النصوص المكتوبة مجرد سيمولاكر لنص يحاول كل الكتاب تأليفه ولا يستطيعون(*)؟ أليست هذه النصوص ­على تعبير السارد نفسه­ مجرد نسخ رديئة لنسخة أصلية مفقودة؟


 

يجيب موريس بلانشو: "الكتابة تعني أولا رغبة هدم المعبد قبل بنائه, هي على الأقل التساؤل قبل تخطي العتبة حول القيود والأعباء التي يفرضها هذا المكان, حول الخطأ الأصلي الذي سوف يكونه قرارك إغلاقك على نفسك, الكتابة, في الأخير, هي رفض تخطي العتبة, هي رفض «الكتابة»"(1). هي رفض تصديق ما تشاهده الذات الكاتبة من "دود أسطوري" حولها مما يفضي بالكتابة إلى الانتحار على شرفات واقع ممسرح:

"وعلى خير تسدل الستارة على مشهد تافه من حياة رديئة بلا طعم ولا رائحة,تنتقل من قبر حياتك إلى قبر مماتك, قبر فردي ضيق قصير يتخذ شكل هذا النص"(2).

   والمقصود بانتحار الكتابة ليس انتفاؤها, بل عودة الزمن إلى مراحله العدمية النابعة من لا إحساس الإنسان بالزمن الموجود وغير الموجود في الوقت ذاته. والإنسان في مسيرته الخلدونية عائد, لا محالة, إلى العدمية. وفي ذلك ما يبرر انتحار/اندحار الكتابة كنشاط ثقافي صاحب صعود العقل العائد إلى اندحاره. وكأن الكتابة بهذا المعنى"ترمي بذاتها لتشهد اندثارها وهي تغيب في غياهب العدم"(3) الذي يخلفه التساؤل حول جدوائية الكتابة أمام «سلطة» "المؤسسات السياسية والتربوية والاجتماعية التي تملأ الفضاء المغربي يأساً وتفاهة"(4):

"وأسلي نفسي الضجرة بتأمل هذا الواقع المغربي القاحل من خلف النافذة, أنظر إليه من خلال عيني سائح أجنبي قرير العين, وغير مهتم بشيء,ينكب على كتابة مذكراته وهو يلوك العلم الأمريكي... ماذا يكتب؟"(5).

بالإنصات إلى هذا المقطع السردي, يجعل السارد من الكتابة وسيلة رمزية لمقاومة الضجر الذي يلف الذات الكاتبة في علاقتها الافتراضية بالعالم. تفضي، هاته العلاقة إلى خلق عوالم تتحرك صوب قارئ ما. لكن، وفي الوقت نفسه يغدو هذا الخلق بداية نهاية القارئ، وهذا ما تحيل عليه كلمة «قبر» التي يراد من خلالها التأشير على كلمة «نص»:

"...افترض أن نوبة شديدة من الضجر قد أصابتني, ولم أجد وسيلة أدفع بها ضجري سوى أن أنصب لك هذا القبر. (1)"

 

   من المعلوم أن ثنائية كاتب/ قارئ تشكل بؤرة تمأسس جملة من القضايا التي تمس  جوهر الظاهرة الأدبية, باعتبارها موطنا لممارسة يحاول الإنسان ­الذي يعد مجرد علامة وسط الكون­ من خلالها الوصول إلى كتاب "الأصل" (كتاب الكون) وذلك بواسطة الكتابة:

"_أريد أن تكتب, أن تصير ملعونا كجميع الشعراء, أن تقبض على النار حتى تحترق كفك, أو يرمونك في قبر أو عنبر...

­ ما أنا بكاتب.

­ اكتب.

­ ما أن بكاتب, هذا زمانهم, وليس لدي زمن.(2)"

في هذا المقام المونولوجي يطرح نداء الكتابة: "أكتب. وتأتي الإجابة على نحو: "ما أنا بكاتب". هاتين العبارتين تحيلان ضمنيا إلى الأمر الإلهي: "اقرأ", كما تحيلان أيضا على الجواب: "ما أنا بقارئ". وتعذر القراءة, ها هنا, نابع بالأساس من الاختزال الدلالي الذي قام به الطرح الديني للكون, فهناك كتاب واحد موضوع للقراءة ومنزل باعتباره كتابا مكتملا. من هذا المنطلق, تأتي "استحالة" الكتابة البشرية لأنها غير مكتملة. وعدم الاكتمال يجعل وجود الكتابة مؤجلا" وبالتالي يكون فعل القراءة غير وارد أصلا".(1)

ولعل المنبع الأساس لهذه الأزمة القائمة بين الذات الكاتبة ونداء الكتابة راجع إلى إحساس هذه الذات بالعزلة "في مجتمع هم خليط من قيم ومظاهر وعقليات ورؤى يحفزها ويرعاها تفشي أنواع متعددة من الأمية وطغيان الجهل واضمحلال القراءة والكتابة"(2):

"ماتت حاسة القراءة عندهم واختفت الأقلام وانقرض النخيل. ومن ابتلي من الكتاب والشعراء بمرض الكتابة أو الرسم فلا عليه سوى أن يستتر وأن يدفن إبداعه في التراب في انتظار أن تكشف عنه أجيال قارئة, قادمة بعد مليون سنة"(3).

من هذا الأفق تشرع أسئلة الكتابة في معانقة أسئلة الموت، حيث يدخل الإبداع في مراسيم الدفن، وتلج الكتابة زمن الموت ويغدو النص "جثة".

ويظل "النبش" سبيل القارئ في محاولته تلقف آثار توتره الحاصل، عند قراءته المفترضة لهذه المجموعة القصصية، مع اشتغال سؤال الموت داخل مساحتها النصية علّه يوفق في أن يوفر عل «النص»/ «الجثة» عناء البقاء في «القبر» مدة «مليون سنة»!

 


 


(1)- المصباحي (محمد عزيز): قتلتنا الجثة (مجموعة قصصية) سعد الوزاني للنشر، ط1، 2005، ص: 12.

(2)- http://www.chez.com./medmesbahi

(1)- دريدا (جاك): الكتابة والاختلاف، ترجمة كاظم جهاد، دار توبقال للنشر، ط1، 1988، ص: 127.

(2)- قتلتنا الجثة (مجموعة قصصية)، مصدر سابق، ص: 27.

(3)- كيليطو (عبد الفتاح): العين والإبرة –دراسات في ألف ليلة وليلة- ترجمة مصطفى النحال، منشورات الفنك، ط1، 1996، ص: 54.

(4)- قتلتنا الجثة (مجموعة قصصية)، مصدر سابق، ص: 16.

(*)- استثمارا لقولة نرفال: سأقول الكتاب، مقتنعا بأنه لا يوجد في الحقيقة سوى كتاب واحد يحاول تأليفه كل الكتاب حتى النوابغ من دون أن يدروا. انظر ترجمة د. لطيف زيتوني لكتاب "قضـايا أدبيـة عامـة"، مؤلف ثنائي: لإيمانويل فريس وبرنار موراليـس، سلسلة عالم المعرفة، ع 300، فبراير 2004، ص: 63.

(1)- بلانشو (موريس): أسئلة الكتابة، مرجع سابق، ص ص: 40-41.

(2)- قتلتنا الجثة (مجموعة قصصية)، مصدر سابق، ص: 18.

(3)- bataille (Georges): ouevre comples. Edit Gallimard. Paris 1970. (voir l’expérience intérieure introduction).

(4)- http://www.rezgar.com/m.asp?i=863

(5)- قتلتنا الجثة (مجموعة قصصية)، مصدر سابق، ص: 9.

(1)- قتلتنا الجثة (مجموعة قصصية)، مصدر سابق، ص:   .

(2)- نفسه، ص:  48.

(1)- http://www.aslimnet.free/articles/ess2.htm

(2)- http://www.rezgar.com/m.asp?i=863

(3)- قتلتنا الجثة (مجموعة قصصية)، مصدر سابق، ص ص: 26-27.



Article ajouté le 2007-02-18 , consulté 76 fois

Commentaires



Poster un commentaire





http://





Merci de recopier le nombre présent à gauche dans la case de texte ci-dessous ( Pourquoi ? )





Liens



Retour aux articles


Recommander ce blog | Contacter l'auteur | Reporter un abus | S'abonner au blog Flux RSS du blog | Espace de gestion

Créer un blog gratuit avec Blog4ever