على هامش الكتابة
... وذلك الصمت، على البياض يكتبه، ويقول لعينيه: " إقرئي ما في بياضاتي من رسم موهوم ". فتعيى العين تاركة للفراغ فرصة البوح. وعلى هامش الكتابة حليب مسلوب سلفا، متدفق من أبقار السماوات ... سبا يا قول وقن المقام. أضرحة، بحبهة الجرح، تقاوم امتداد هذا الليل، الخانق لصرخة على أهبة الانفجار. ويبقى البحث عن الصوت غوايات انشراح ولعب ملفوف بإخفاقات الصهيل، قال: " بين الجمر والدخان متسع للسؤال ... للتأمل في حرف أو رسم يشق غسقا في عمق السواد ". فرمت الجبال صوته، لتسافر به الريح إلى حافة الجنون، المتسكع على أرصفة الشوارع الخالية، المزدحمة بخيالات تنقشع له، تبكي وتضحك، تجري وتقف، ترتشف الدخان من سيجارته ثم تبثه في الأفق، وهو يمشي متثائب الخطى. فامتصه، من بعيد، ضوء مقهى " أولمبيك " أتاه النادل بقهوة سوداء، أخذ يتجرعها من غير سكر، وقطع السكر الثلاث تنظر إليه بشفقة وتتحاور باستغراب:
قالت الأولى: أنا خلقت لكي أذاب .
أضافت الثانية: آآآه ... وأنا ! كم انتظرت حتى تحركني ملعقة !
وعقبت الثالثة: ما بكما ! لنجرب أن نكون ذلك الإنسان الذي لا نعرف عنه غير القليل ..
سمع حديثهن، لاحت أسنانه في ابتسامة خفيفة. خجلت الأولى، وبكت الثانية، بعدما وضع الثالثة في فمه. أزند سيجارة أخرى، لم يستسغ مذاقها، فشرب بعضا من كوب ماء، كان على الطاولة، حتى يزيل عن حلقه الحلاوة الزائدة، فارتحل بعينيه إلى أبعد نقطة في البحر، غارقا في قاع الزجاج. استل من جيب قميصه قلمه الحبري، نفث مداده في الكوب، فلم ير غير غموض يجترح صفاء الماء. تناول ملعقة، وأخذ يحرك الماء بقوة، فلم تقفز حيثان ولا غرقت مراكب. فانتقلت الزوبعة إلى دواخله. أعقبها رعد وبرق، فمطر أسود. كما حكت المقاعد أن الأرض تعرت لتبتلع جثث العاصفة. ولما أشرقت الشمس أينعت ظلالا تفيأ فيها جسده الليلي ... وفي الصباح، استيقظ متلهفا ليقرأ ما كتب بالأمس، فنسي شكل الحروف ومعانيها، خطوط: عمودية، أفقية، مائلة، مستديرة... هكذا تهيأت له، منعرجات جبال أراد خلقها، فدحرجته من عليائها وصراخه يكسر الحجر، وانتهى أبكم في السفح.
- بقايا أصوات:
* قطعتي السكر: إنسان غريب، لكنه، يبدو، ومن ملامحه، على أنه رجل طيب. كما أن تردده على مرحاض المقهى، ربما يكون دليلا على مرضه بداء السكري.
* أعقاب السجائر: ترك المرمدة نظيفة، لكنه كان يلقي بنا على الأرض، إنها عادة سيئة، كما أنه لم يستعمل الولاعة، كان يزند السيجارة اللاحقة بأعقاب السيجارة السابقة، والرماد يتناثر على قميصه.
* شرطي المرور: مر من أمامي ليلا. أراد قطع الشارع، فصدمته سيارة أجرة لأنه كان شارد الذهن.
* رجال البلاد: حنا رجال البلاد، واللي ما لطف بنا ما نلطفو بيه، هكذا كان.
* النقاد: الغياب والحضور، ثنائية نلحظها في كل ارتشافة من النرجيلة. هو سفر في الدخان لاستكناه أغوار الذات، انتهى " الجمر " وما بقيت غير " التعسيلة ". فقصد " الخبازة " في ساعة متأخرة من الليل لاقتناء الفحم، وجد الدكاكين مغلقة، فحمله مسار الحكي إلى " أولمبيك " ولكي نفهم أكثر، لابد من النظر إلى " أولمبيك " كنسق فرعي ضمن بنية عامة هي مدينة القنيطرة.
* النادل: مسكين ذلك الأستاذ، ترك لي فوق الحساب عشر دراهم، ووريقة ملطخة بمداد أسود وفي أسفلها عبارة: " هكذا يُحكى الجمر بألسنة الدخان ".


Commentaires