قصة وهم

         يغترف الصمت مني بوحا، والضجيج يسرقه. في خلسة، يهمهم للجدران بأنه يمتلك كل الكلام، فتحسبه بتمتمات يائسة عن هذا الانتصاب، الغير المجدي، لأعمدة تتآكلها الرياح، المسافرة من هذا الحي قادمة إلي. فيجثم الحبر سائلا من أعلى رأسي إلى أكبر نهد مرتخ، فيهتز ويزرعني بين أحضان البياض، ليكتب قصة ما كتب لها أن تكتب أو تروى حتى، فأحداثها شيء من الوهم الجميل، الرائح الغادي، المتجلي حقيقة والمتخفي وهما بين براثن الحلم المغتال.

حي على الوهم، على ذلك الجرح، المضمد بقليل من العض على اللحم، واللحم ثائر بدم فاقع ينزل متخفيا ببطء إلى الأسفل عبر الفخذ، حركة الوشم الأزلي. علامة الانبساط والندم، ها هنا الجوع والفقر. وعلامة الانبساط المتوالي هناك، حيث الأمل في رغيف خبز يزرع الطمأنينة ويجعل الأمور اللامعقولة تسير وفق منطقها المقدر لها سلفا ... " هاكْ وَارَا مَا فِيهَا حْزَارَة " هكذا تعقل الأمور، حين يرى الضجيج أصواتا ترتفع وتنخفض في تموجات ينقلها الهواء المتعفن إليه .. إيـه ! من يشتم رائحة العفن يصبح مدمنا عليها ! وهل هي عفنة حقا ؟

ملتصقة بالسقف، وهو قزم لا سبيل له للصعود ثم النزول ظافرا بما يلتصق. فيكتفي بالحكم الجاهز، أما العناكب، فهي تقتات منه، ولها في ذلك فن أصيل في الحياكة وربط الخيوط، واقتناص الفرص المتاحة لاشتمام رائحة الفاكهة وقضمها بعد تقشيرها، والقشور، هي فقط، ما يستطيع العقل تحسسه عاجزا عن تذوق كنه الأشياء، فتتعفن بفعل الرطوبة.

وكيف ما كان، فتلك حكاية أخرى. وما يستهوي النظر الآن الزمن المنفلت منا انفلاتا، ينعقد، ثم يفك مرة أخرى. والكل هائم في نهم، يسيرون على الطرقات، يتفحصون الخيط الفاصل بينهم وبين التفحص. وهو جالس في المقهى الفارغة، ولكم الاختيار في تحديد مكانها، ربما كان ذلك في مقهى " متروبول " وسط المدينة، أو في أي مقهى من مقاهي "العلامة". واللي وصل العلامة يطلب السلامة، قلت في نفسي، وقعدت، أظن قليلا من الظن، قربه. لم يرني نادى على النادل السي بوجمعة . طلب لي عصير باناشي. فأتاني بكأس شاي منعنع كما طلب منه تماما. أخرج من حقيبته لفافة حشيش، شرع يمتصها والدخان متصاعد أمام وجهه المغبر بالسديم، استفزني حاله. فسألته:

-      كيف الحال ؟

-      منصوب.

-      كيف الحال ؟

-      قلت لك منصوب !!

-      أقصد. صف لي حالك.

-      أراني رجلا كادحا ..

-      كيف الحال إذن ؟

-      منصوب

-      متى يرفع ؟

-       .....

..... نسيت أن تجلب معك سبويه لتسأله ما إذا كان حالي منصوبا أم مرفوعا إليها، يجمعنا الهوى، وهي مرتديه قميص نومها الشفاف، الأحمر اللون، الثلاثي الأجزاء، كنت أقشرها، كما تفعل الآن العناكب من تحت ذلك السقف .

" أَدِيرْ عَقْلَكْ أَهَدَاكْ الشَّمْكَارْ وما تبقَاشْ تَعَايَرْ بْنَاتْ الأَصْل ... "

 *     *      *

ما أحلى أن تدوخ، يحسبونه مغيب العقل، جانحا بإحدى وسائل الهلوسة، وما يهلوسه هو ذلك الجوع، الذي يقطع مصارينه في مزاحمات تحدث أصواتا تصلح، بقليل من التعديل، أن تكون سمفونية رائعة: غووورر .. غييير ... طُّوووزْ، أسمعتم أصابته " الحزقة ".

"وَقْتَاشْ كَانْ مْرَفَّحْ ؟؟ ... "

*      *      *

حقا، متى امتلكت مالا ؟ لم أعد أذكر. من الطبيعي  ألا تجمعني أية صلة ببنات الأصل ...

"أَدِّيهَا فْكَرْشَكْ، ونُوضْ قَلَّبْلَكْ عْلَى مَا تْحَنْجَر .. !".

*      *      *

وانصرف دون أن يكلمني أو أكلمه، يمشي إلى حيث يجري الغضب من واقع مشردم، تتحولق حوله الوجوه، يفتتح النقاش يستلم المداخلة المركزية، وصراخه يدوي في رحاب (الجامعة). استوقفه ألم شديد، انحنى أرضا، وطلب من المسَيِّر أن يعطي الكلمة لرفيق آخر، فما عاد يصلح حتى للنباح ...  .

*      *      *

استجمعت قواي الخائرة، ورغم أن المسافة إلى مقصف (الجامعة) لا تعدو وأن تكون سوى بضع خطوات، أحسستني أمشي، أمشي، أمشي... وتوقفت فجأة شعرت بشلل في النصف الأسفل من جسدي، تلفت إلى رجلي فلم أجدهما، أصابني الهلع، فشرعت أبحث عنهما جاحظ العينين. عثرت عليهما وأنا جالس على أحد الكراسي بالمقصف. أووف.. وأخيرا. ناديت على النادل بصوت عال جدا:

-      كريم ! ... كريم !...

-      أَمَالَكْ مْصَدَّعْنَا؟

-      اللِّي مَاعَنْدُوشْ الفُلُوس مَايَا كُلْشْ؟

-      بدل ساعة بأخرى..

*      *      *

وعاد إلى مكانه، يشتم رائحة السُندويتشات الممزوجة بدخان السجائر، تبدو لذيذة، ذلك ما أشر عليه لعابه المتسلل مبللا شفتيه الزرقاوتين. رفع بصره، فأغشى ناضريه ضباب كثيف. أحس بالدوار، فطلب من أحد الطلبة قلما وورقة وأخذ يدون: " سأسافر الليلة إلى طنجة، لم يعد لي ما أفعله هنا، قتلوا في كل شيء، حتى حبيبتي ذلك الوطن الصغير، رماني طريدا بتيه مساري، وما بقي لي من رفيق سوى جوعي، هو أيضا سأتركه، وسأرحل بعيدا إلى هناك .. هنا .. هنـ .. هـ ..".

 

والرحيل إلى هناك قصة وهم أخرى. وهل تعرفون تفاصيلها في ذهن من رحلوا ؟ يبدو على وجهكم شيء من الشوق لمعرفة ذلك. سأكتفي بسرد ما توهمه صديقنا لعلكم تعقلون ! فتيات شقراوات ينسينه غصة الماضي، يوم كان يقبل رجليها والدمع صبيب يجري إلى الأرض مختلطا بالتراب فيصنع من طين الغصة حلما، وهي تدوسه كلما جاءته قائلة: " سيأتون لخطبتي غدا، فهل أرفض أم أقبل ؟ ما رأيك !!؟"

كان يعلم أنه لن ينسى ما فعلته الأقدار به. وهو الحاصل على دبلوم الدراسات المعمقة في الآداب. لكنه، على الأقل، كان يتشبث بأمل أخير. فعندما سيدور الحول سوف يأتي بسيارة فخمة، ويلج بها سراديب " القرية " ذلك الحي المعروف بـ "دوار لاحونا لا ماء لا طاحونة " والصغار يجرون وينطون من حولها، ويصيحون: " جاء يونس .. جاء يونس .. ". والكبار يحملقون كعادتهم التي ليس لهم بديل عنها، فهي الشغلانة الوحيدة لديهم. وهو لن يعير اهتماما لكل هذه الأمور سيعرج على بلوك رقم 2، وهتاف الجيران يعلو ترحابا بالقادم. " والله يرحم من جا وجاب " سيتذكر تعليق أمه المأثور. كلما جاءهم زائر برطل لحم أو رطلين، لذلك سوف لن ينسى أن يجلب معه صندوقا من الماربورو، وعلبة علبة سيوزعها على الأفواه المدمنة على المص ... وما سيلبث يوما أو يومين حتى يستعد لاصطحاب والديه لخطبتها، وبعد أسبوع يتزوجها... وأوهام أحداث أخرى، يضيق  المقام عن ذكرها.

وكما ترون، قد يكون بطل القصة، صديقي يونس، الذي رحل إلى سبيل لا يعرفه أحد، يروح ويغدو ذات اليمين وذات الشمال، يكسره الموج، واليابسة ترفض استقبال جثته بالأفراح والزغاريد لما فضح الماء أمر موته.

 ماذا تقول ؟ ! الموت !

نعم هو بعينه رأيته على شط الشباب، يعلو ويهبط. ثم يرسو بمركبه، راسما في الأفق جنة موعودة برزخها بطن الحوت .. وذلك الضجيج صوت " الدقة المراكشية " وقد أكون أنا، كريم نفسه، من يعقد، اليوم،  قرانه بحبيبته، وحركة الوشم الأزلي أنا فاعلها الليلة. ويمكنكم تخيل أحداث أخرى، فالكل جائز في حضرة الوهم.



Article ajouté le 2007-02-15 , consulté 167 fois

Commentaires



Poster un commentaire





http://





Merci de recopier le nombre présent à gauche dans la case de texte ci-dessous ( Pourquoi ? )





Liens

Voir les articles de la catégorie " هكذا يُحكى الجمر بألسنة الدخان "

Retour aux articles


Recommander ce blog | Contacter l'auteur | Reporter un abus | S'abonner au blog Flux RSS du blog | Espace de gestion

Créer un blog gratuit avec Blog4ever