فناء
في أقصى لحظات غيابي عن العالم، في أدنى لحظات حضوري فيه، يتمثل الموج أمامي، إكسير شوق خادع، أيها النازل في للتو من غياهب الغياب. تبدو الأشياء أمامك مقلوبة، وعيناك أصبحتا كعدسة مكبرة، ألوان تجفل، وعقارب الساعة تلمحها، في حركيتها، ثابتة. وعلى حافة الوداع لك تمتماتك الأخيرة:
" كنت غادي في درب صوالحه
لقيت بوبوشة سارحه
سايرة تلالي
من جنان الكرمة
لسوق الدلالي
سولتها: فين دارك ألبوبوشة ؟
شافت في ضحكت وقالت:
وفين دارك ألبوهالي !!؟".
ارتادني الشك منك وأنا أستمع إليك، وارتادك الشك مني وأنت تستمع إلي، فانيا بين أصواتي، تشرب كأسي وكأسك.. محاولا أن تقارب بين اللفافات، بغيمها الذي يلف المكان، وبين حقيقة التاريخ، الذي تركته خلف النقع المشهود بعينيك البلاستيكيتين. و" سلاف " عتقتها خمرا وجنونا مقدسا، أردتها أن تكون باعثة " المانيا " في تخوم القلعة القديمة...
جسدها المسافر بين الحانات، بسرعة الضوء الشاحب المتسلل من القناديل عبر أزقة القلعة، رأته السراديب يحمل دمع اليتامى ونواح أم اغتصبت ابنتها على عتبة العيد والاحتفال بذكرى "إيسلي وتيسليت ". سيمفونيات الخلود تعزف، وتدك الأرض بأرجل الراقصين، والركل محموم في بطنها المتوجع ووجهها المفزوع المتفجع. كانت إكسير شوقك، أيها النازل فيك للتو من غياهب الغياب، دعني أناولك كأسا أخرى ... بصحتك.
- بصحة أمي وأبي السكير، وأختي وأب ابنها الذي "حرک" وتركها تنتظر الذي قد يأتي أو لا يأتي...
بين الدفة والمزمار قداس للتأمل، في سنين تحكي رزمة انتظارات لأنْ ينضج الثمر في صحرائك الممتدة إلى ما حول القلعة. تحت النخلة الضاربة جذورها في أعماق الأرض، الباسقة فروعها في قلب السماء، بُحْتَ لها عمّا في جوفك:
- سلاف أنت أرضي، ومن قال عنك عارضا لم يستطع أن يفهم أنَّك أنت خالقهُ. إنّي جنينك المنتظر، فاملئيني ماءً في جرتك، واصنعي منّي مطرا يسقي عراقة النّخيل، ويزيل عنك عرق الحصاد ..
أنت أرضي، وأنا عاشقك المتيم، خذي جثتي، واصنعي منها ذبالا ينعش دمك المقدس.
... ومالت على النخلة يزلزلها البقاء، وغابت مع الأصيل. هكذا تتذكر موعدك الأول معها ...
-تذكرت شيئا آخر، أمي ماتت منذ ساعة، وأختي لم تلد بعد، وأبي لا أعرفه، والأصح أن أقول برحمة أمي و ...
توقفت عن الكلام ليس لكي تتدخل يا أنت، بل لأعطيك كأسا أخرى، ما شأننا وأمك وأختك ...
- بصحة موعدي الأول معها ...
... في بياسق الشبق الـمُطَهّر، حاملة لجرة ماءٍ كانت لما رأيتَها، وكان فصلا للخصوبة، وهي الزهرة الربيعية الوحيدة في صحراء مترامية الأطراف، فغزلتها في قوافيك لازمة تكسر روتين العطش والسراب البادي من على الرمال. والآن، تشرع في حساب احتمالات لتغيير الوضع الذي كان قائما، وكأن القيامة ستقام حَوْلَكَ، وحَوْلَكَ سافر بك إلى حيث لن تعود من سجن الذهول، وبوّابات الزمن تُسدُّ خلفك بمفاتيح الحكمة التي لا تعرف غير الانسداد …
- كيف كان سيكون لو لم أعقل يدي ؟
تتساءل في نفسك وكأنك الحكيم المداوي لجرح الآلهة، فتأتيك الرياح بصدى بكاء طفلك المفترض، ونحيب زوجتك المفترضة، وإيقاع الرقصات:
- ماذا كان سيكون ؟ ها.. ها .. ها .. لكبلت يديك بإحدى رجليك، والرجل الأخرى الحرة الطليقة، معقل سقوطك المنتظر..
- ناولني كأسا أخرى، ولا تدع الموضوع عنك ينقلب ...
- أي انقلاب ؟
التاريخ لن يعاد كتابته، وما في ذهنك أسطوانات لم تبصم بإمضاء من " حمّاد ". لا مكان هنا لقصيدة أو قصة أو حتى رواية تسكنها العالم. فالعالم لا .. ولن يعرفك. لقد أصبح محكوما بالضغط على زر من على هاتفك النقال، وتنكشف أمامك صورة التاريخ المفترض من على شبكات الانترنيت .. دعني أناولك كأسك الأولى ..
- لا داعي، لا أشربه. لماذا تريد الانفلات من ماضيك وتنوي تغيير مسار السرد وملامح الحكاية ..؟
- ولماذا تحاول ،أنت، أن تتهرب من مستقبلك ؟
أنا مجرد كائن ورقي، أنا دميتك، هكذا تراني . لك ظنك، ولي افتراضي، وللناس من بعدنا قولهم.
» يا أيتها النفس المطمئنة، ارجعي إلى ربك راضية مرضية... «
- ما الذي حدث ؟
أجهضك الحلم، أنا ذلك الحي الذي يلبسك، قد أبدو الآن ثابت الخطى. لكن في ثباتي انكسارات تسافر بالجرح على جنازة امرأة أحملها، أدعو مع الداعين أن يرحم من رحل. ولما تم الدفن، وجدتني الميت . وهكذا لك أن تقول بأنك قاتلي. ولي الحق أن أقول بأني قاتلك وقاتلها. ولهم الحق أن يتقولوا بأنكما قاتلاي، وأنهم قد حضروا مراسيم الجنازة. والحقيقة ستجدها عند حفار القبور، فارتحل إليه واسأله، عله يساعدك في كتابة قصة أمتع.


Commentaires
ÃåáÇ ÕÏíÞí le 03/04/2009 à 22:51:45ÃåáÇ ÕÏíÞí¡ÇÔÊÞÊ áäÞÇÔÇÊß ÇáÝßÑíÉ ÇáåÇÏÆÉ æ ÃÓÆáÊß ÇáãÔÇÛÈÉ ãäÐ Ãä ßäÊ ÊáãíÐí Åáì ÇáÓÇÚÉ ÇáÊí æÌÏÊß ãÞÊÍãÇ ÇáÒãä ÇáÝÚáí.
áß ÃÞæá ÃÚÒß
åÐå ÇáÞÕÉ ÞÑÃÊåÇ ãÑÇÊ ãÊÚÏÏÉ æÞÏ ÃÚÌÈäí ÇáÇãÊÕÇÕ ÇáÐí ÊÞæã Èå ßÊÇÈÊß Ýí ÚáÇÞÊåÇ ÈÇáãÊÎíá æÇáäãÇÐÌ ÇáÅÈÏÇÚíÉ ÇáÚáíÇ.ÇÓÊãÑ áÃäí áä ÃÐåÈ Åáì ÍÝÇÑ ÇáÞÈæÑ.ÃäÊÙÑ ãäß äÕÇ/ÞÈÑÇ