مراهقة متأخرة
"كنت أرى فيها ذلك الطهر، الموشح بشبق الشهوة المقدسة، الشيطانية في أعماق الأنثى" : قال ثم صمت، تاركا لوجهه، الموسوم بالتبسم، الحملقة في الوجوه: الجالسة الواقفة، الداخلة الخارجة، الواضحة الغامضة. أخرج من محفظته سيجارة، وقال شهود عيان آخرين أنها لفافة كولومبية، وقد أخرجها من جيب معطفه وليس من حقيبته.. المهم أنه كان وقتها يدخن شيئا ما، وكأنه يدخن كل شيء: الكراسي، الوجوه، الساعة الحائطية المعطوبة، نشرة الأخبار ورائحة البول المنبعثة من المرحاض ..
كعادته – وكثيرا ما يصبح الاعتياد على فعل ما إحدى مواصفات الشخصية – ألقى "بالقتلة " على الأرض، تاركا حذاءه، الأنيق، يتصارع مع جدوة استعصت شفتاه على ارتشافها. أخرج من جيب سرواله هاتفه النقال. أخذ يتأمل صورا ما والدمع على شفى حفرة من ملامسة خديه. بدأ يغني، وبصوته بحة انكسار، موطنها أعماق الأنة:
" حكاية غرامي
حكاية طويلة ... "
والأغنية طويلة أيضا، والمقام لا يتسع لنرددها معا، أو ليشاركنا القراء في ترديدها ... قاطعني مصوبا إلي نظرة ذابلة: " نعم، حكايتي طويلة، حكاية عشقي طويلة، حتى اللغة مهما اتسعت لن تستطيع احتواء تجربتي. اللغة كالمرأة، إذا استحسنتك تريك العالم جنة، وإذا استهجنتك تغدو مليئة بالغموض واحتمالات الهجر الغير المعلن، أو الحلول إلى " سيمولاكر" لنص مشفر تجهل معناه، وإذا علمته، يدخلك في دوامة من التأويلات. الخيانة هم مشترك بين الكتابة والمرأة، تقولان ما لا تريدان قوله. توهمك الأولى بواقعية ما يدور في سكناتك ومنعرجاتك الداخلية. والثانية تريك المطلق في واقعية الحقيقة التي تقبل الصدق والكذب. وباقي القصة يا صديقي أنت تعلمها، خذ قلمي ودون ألمي " ...
تقول أنك التقيتها، أول ما سلبت قلبك، بمكتبة الكلية، كنت جالسا بإحدى الطاولات، تقرأ بعضا من الكتابات النسائية. فأنت، وكما هو معلوم، من عشاق الظهور، على أعمدة الجرائد بمظهر المدافع عن حقوق المرأة. ولكي تكتب، لابد وأن تملأ ذاكرتك المقروئية ببعض من الدراسات والمقالات، حتى تستطيع تجشأ خليط متجانس أو غير متجانس من الأفكار، لا يهم. المهم أن شرفك الأكاديمي، وبذلتك الزرقاء وربطة عنقك المزركشة الدالة على لونك السياسي، وشعرك المسدل من قفاك على صلعتك .. كل هذه الحيثيات تخول لك الظهور بشكل كاريكاتوري أنيق ومتألق على الصفحات الأولى من الملحقات الثقافية.
اعتراك شعور غريب، لما لفحت رائحة عطر نسائي أنفك، التفت لترى من مرت من أمامك، مخلفة وراءها كل هذه الحقول من زهرة الربيع في دواخلك. " أووه ... إنها إحدى الطالبات اللواتي أشرف على بحوثهن " همست لنفسك، بأنها حقا جميلة. ثم طأطأت رأسك تدون بعضا من الاستشهادات التي راقتك في دراسة ما: " إننا نطل على المرأة من نوافذ ذكورية، لا ترى فيها غير آلة للزرع والحصاد، وهي في المقابل نصف المجتمع المهمش، المجمد، والذي يجب أن يتحرك بالتغيير إذا أردنا تحقيق تنمية بشرية شاملة " . ثم رفعت رأسك، كانت واقفة أمام شباك استعارة الكتب فتابعت قائلا: " أجمل ما فيها قامتها الرشيقة وخصرها النحيل، وردفيها المكتنزين آه .. وذلك النهد !"
وقبل أن تكمل آهاتك تحسرا على شبابك الزائل، رأيتها تلوح لك بيديها، بمعنى التحية. قابلتها بالمثل وناديت عليها، جاءتك مبتسمة، خجولة. صافحتها، وطلبت منها أن تجلس.
- لباسك أنيق جدا !
رفعت بصرها إليك بابتسامة ثقيلة هذه المرة.
- ورائحة عطرك جذابة، أي نوع تستعملينه ؟
لم تجبك، وهي مركزة عينيها إلى الأسفل. وجه كالجنة، وصرامة كالنار. تشكيل سوريالي غريب، دعاك إلى ترتيب أوراقك من جديد ...
- أين وصل بحثك ؟
- هناك كثير من المشاكل تعترضه، فخزانة الجامعة فقيرة. ولحد الآن، لم تسعفني المادة العلمية التي جمعتها في تشكيل رؤية حول الموضوع.
- آه لو كنت في الرباط لساعدتك في إنجازه، لدي فكرة ! يمكنني أن ادفع عنك تذكرة القطار من القنيطرة إلى الرباط، ما رأيك ؟
- في ماذا يا أستاذ ؟
- في أن تأتي إلي لكي أساعدك ..
- سأفكر في الأمر، وأرد عليك لاحقا ...
وانسحبت تجر خلفها أمانيك العذاب، وأنت ترسم في ذهنك خطة ومعالم اللقاء المرتقب.
* * *
في نفس اليوم الذي تحرش فيه بي، أخبرت جل من يدرس معي بالأمر، دخلنا إلى المدرج، جاء متأخرا، كالعادة، رافع الرأس، يتمختر في مشيته كدجاجة. جلس، وشرع في إلقاء إحدى محاضراته الجوفاء، أنهى كلامه الفارغ، وبدأ في طرح الأسئلة حتى يتأكد من وصول خطابه. أطبق صمت، فسمع صوت آت من الخلف:
- ليست لدينا فكرة، لما لا توفر لنا تذاكر القطار إلى الرباط حتى يتأتى لنا فهم أكبر للأشياء التي لا نفهمها...
فعلى التصفيق والضحك، جمع حقيبته، مر بجانبي، رمقني بنظرة غريبة، وانصرف ..
ظن أنني لعبة رخيصة، لكن ما كان مني – كما رأيتم – أمر رهيب. هذا ما يستحقه كل من سولت له نفسه أن يجعل من مكانته العلمية والأكاديمية سبيلا للضحك على بنات الناس ...
* * *
- مؤسف حالك حقا !
- لكني أعشقها تلك الماكرة. أقسم لك ...
- وحسناء .... هيفاء .... رجاء ... أء .. أء .. ء
أكنت تعشقهن حقا !؟ أنا صديقك، وكنت تستأمنني على كل أسرارك، فلما الكذب علي ..؟
- لم تصدقني إذن .وتلك القصائد التي كتبتها، أليست صادقة :
" على وقع نجواك باتت حروفي * * جبال هموم سيــولا تداري
فما بين حرف وحرف تقـوم * * ليال ويغتال حزني نهــاري
برغم عطائي لأسمى غــرام * * أنوح لوحدي بوحش القفـار
صروح الهيام ... "
مسكين ! غدوت أشفق على حاله، متزوج و له ابنة في عمر تلك الصبية التي يتغزل بها. دفعت الحساب، وتركته رفقة كأس الحليب الذي برد ولم أشربه. وانصرفت إلى حال سبيلي قبل أن أصاب بالعدوى. لقد حجز التذكرة، وصار، قاب قوسين أو أدنى، من ركوب طائرة الجنون.
Article ajouté le 2007-02-15 , consulté 147 fois
Retour aux articles
Commentaires
zomoroda le 30/01/2008 à 00:23:32vraiment une belle histoire sa me plait car ilya bcp des histoires comme ça en réialité
et jolie nom (moraha9a motaakhira)je souhaite bonne chance a vous
Chaimaa zemmama le 16/05/2008 à 21:53:08
ÞÇá ÑÈí ÚÒ æÌá "æÅä ßíÏåä áÚÙíã"
áßä ãÇ ÐäÈ ÇáßíÇä æÇáÞáÈ ÈØá åÐå ÇáÍßÇíÉ , ÃÒÇÍ ÇáÖãíÑ æßá ÕÝÇÊ ÇáÔÎÕíÉ æÃÚãì ÇáÚíæä æÃäØÞ ÇááÓÇä ÈãÇ áÇ íÔÊåíå ÇáÚÞá Ãæ íÞÈáå
ãÍÝÙÉ æßÑÇÓÉ ÞÓã æØáÇÈ ÓÇåãæÇ Ýí äÓÌ ÈÓÇØ íáÚÈ ÈÇáÑæÍ ÝíäÞáåÇ ááãÇÖí áÊÍä Åáíå æÊÇÑÉ ÊÔÚá Ããá ÇááÞÇÁ
æÊÝÌÑ ÇáÍäíä
ÊÕæÑåÇ Ýí ÑÃÓ ÇáÕÝÍÉ ãáÇß ÇáÍíÇÉ æÓÚÏ ÇáÞÏÑ
ÊÌÇæÒÊ ÇáãÞÏãÉ ÍãÇÞÇÊå
áßä ÇáÚÑÖ ÃÌÈÑå Úáì ÝÊÍ ÞÝÕ ÇáãÔÇÚÑ
ÝÊØíÑ ßáãÇÊ ÈíÖÇÁ ÇáãÚÇäí
ÊÕÏÑ åÏíá ÓíáÇä ÛÑÇãå
áßäå ÝÖá ÇáÇÚÊÑÇÝ Ýí ÇáÎÇÊãÉ áíÏÑß ÈÃäåÇ Óæì
ãÑÇåÞÉ ãÊÃÎÑÉ ..........