لعنة الواحة

... استقرت الجمال قرب واحة، لم يسبق لأحد، من التجار أو الرعاة، أن رآها يوما أو سمع بها. فتعجبت القبائل لما علمت بالأمر. اجتمع شيوخها، فأجمعوا على أن حدوثها الفجائي هو آخر معجزات الدنيا، وأن الخوض في متاهات البحث عن نقاعيات نشوئها، ضرب من الإلحاد بنعمة الله. فاتخذوها نقطة استراحتهم. من عناء المشي والسرو. في هذه الكتبان اللامتناهية، في رحلة الشتاء والصيف.

أخذت الأوتاد تنغرس فيها ببطء شديد، وهي تحاول كبح اشتعالها. فانساقت وراء بياسق الشبق، يعتريها الدوار. أطرقت جفنيها لما أطبقوا عليها الخيام حاجبة عنها الرؤية. علها تلمح ضوء القمر منعكسا في دواخلها. تمايلت قليلا بجسدها الماء. وعلى لعبة التكوين، وقفت ترقص على إيقاع موال قصير ممزوج بنحيب طويل:

" خْرَافَهْ أنا مَرْوِيَّهْ

حْكَاهَا لَغْرِيبْ لِلْقْرِيبْ

آهْ ... يَا وَلْدِي

وَاحَة عَطْشَانَهْ

دَفنُوهَا في الرّمل

وْقَالُوا عْلِيهَا بَحْرِيَّهْ .. "

تصاعد النحيب مجلجلا صمت الأعراب أعلن الشخير حالة تأهب قصوى، قرعت الطبول في ساحة الوغى، واستلت السيوف من أغمادها. دوى العراك مهدما الخيام، فاندثر القوم دمنا في الهواء الذي أنعش نهداها، هدوء الليل في الصحراء.

وعند الفجر، بدأت الشمس تلفح الرمل المدفون فيه جسدها، تبخر الندى، واقتلعت الرياح زوابع حمراء من عليها، ثم شرع المطر يتساقط عليها رملا وماء. والرياح تعوي:

" هَذا عُرْسْ الذّيبْ

خْتُو الغُولة تأكل بَلا رْقِيبْ

هَا لَفْرَاقَشْ ...

هَا كْرُوشْ المزَالِيطْ

وْهَا لْحَمْ بْنُو آدَمْ بالبَرْقُوقْ والزْبِيبْ

والوَاحَة مَسْكِينَهْ

سايْرَة تَنْذبْ ... سايْرَة تجْذَبْ

غْدَرْ بِها الحبيبْ

غْدَرْ بِها الذيبْ .. "

فانتفضت الواحة بنايات شامخة، بين ليلة وضحاها. تحول البعير الناجي من غضبها إلى بقر أو أشباه بشر، ينطقون قولا جميلا ويركبون سيارات دفع رباعية، لاهين بالجنة التي وعدهم الله بها، صلاة وتسبيح في النهار، وخمر وجنس وحشيش في الليل. وأحصنة الأمس يقودها الذئب جاءت تجثو بالرمال من حيث لا يشعرون، فانهد بنيانهم واندفنوا بمعيتها تحت الأرض.

واعتقدت القبائل بأن ما حدث سراب لاح فغاب.



Article ajouté le 2007-02-15 , consulté 87 fois

Commentaires



Poster un commentaire





http://





Merci de recopier le nombre présent à gauche dans la case de texte ci-dessous ( Pourquoi ? )





Liens

Voir les articles de la catégorie " هكذا يُحكى الجمر بألسنة الدخان "

Retour aux articles


Recommander ce blog | Contacter l'auteur | Reporter un abus | S'abonner au blog Flux RSS du blog | Espace de gestion

Créer un blog gratuit avec Blog4ever