ن
في آخر ليلة قضتها بمنزل أسرتها، استلقت بجسدها، مقتسمة الغرفة مع إخوتها السبعة. كانت تحاول، في عبث، أن تستجدي النوم، وسط صخب الأمطار المتساقطة على السقف القصديري. وحركات أسنان تَسْطَكُّ ماضغة الهواء في امتزاج بأغرب سمفونية عزفتها أمعاء بشرية جائعة ...
أصبح الأرق يسكنها، رفقة أشجان تختلج ضاغطة على صدرها. تحاول كتم غصتها، فتجهش بالبكاء على حظها التعس في الحياة. فقد مضى على هجرته إلى بلاد المهجر عشر سنوات، كان قد وعدها بالعودة والزواج منها على سنة الله ورسوله، فخذلها ولم يعد. وما زاد الطين بلة، تلك الليلة، سماعها- في طريقها إلى المرحاض لتقضي حاجتها - لحوار دار بين أمها وأبيها:
- ابنتك بارتأ لعربي ...
- الأرزاق بيد الله .
- ويلي ثلاثين سنة ولا واحد طلبها للزواج ...
- ما عندنا ما نديرو عيينا بالفقهة وحتى واحد ما بيض سعدها ...
* خبر عاجل: السلام عليكم، أنا " المقدم " أريد إخباركم بأن السارد كان على علاقة غرامية مع
" نْ.. " يجب أن تحتاطوا من كلامه فما قاله وسيقوله هو -فقط- نسج من وحي خياله ...
* السارد: أصمت أيها ... لا أدري ما أسميك ! أتحشر أنفك في كل شي ؟ حتى في الأمور التي هي أعمق، وأبعد منك ؟
وصل بهما النقاش حد التعارك في الشارع، رآهما رجال الشرطة، فأحالوهما على المفوضية. سأكمل قصتي بنفسي ريثما يبث القانون بينهما، ويبين لنا من له الحق في عملية الحكي.
كانت الساعة تشير إلى الخامسة صباحا، تسللت إلى حيث ينام أبوايَ، ساعدني شخير أمي على مسح صوت خطواتي، فتحتُ الدهليز الخشبي، وأخذت نصف مال كان والدي قد حصل عليه لما أتى دوره في استلام دارت. وكان ينوي أن يشتري بها خروف العيد.
خرجت كما دخلت. فتحت باب " البراكة " بتمهل، أحدث أزيزا خفيفا، فأطلقت قدمي للريح صوب المحطة. عدوت، عدوت، وعدوت، كأنّي ريمٌ انعتقت للتو من قيد قناصها. تحسست بالدماء تتجدد في عروقي، فأخرجني من نشوتي صياح أحد " الكورتية " في المحطة :
" - رجيلط واحد .. رجيلط واحد ... "
توجهت صوبه، أنقدته ثمن السفر. تقاسمت المقعد الأمامي مع رجل، في الخمسين من عمره، بدين، ذي لحية سوداء كثة، يبدو على ملامحه شيء من الغموض. أغلق " الكورتي " أبواب الطاكسي، وانطلق السائق في سباق مع الريح. شعرت باختناق وبألم في جانبي الأيسر لانضغاطه الشديد مع الباب. طلبت من الرجل أن يتنحى قليلا عني، فلم يبال. قلت لنفسي: "اصبري ما بقى قد ما فات "، فرحلت بذهني بعيدا، أتخيل مدينة رجيلط كما وصفها لي بنات "الدوار " العاملات فيها. وفجأة، انتزعني كبح الفرامل من غفوة الحلم. رأيت رجال الدرك يتحاورون مع السائق بصوت منخفض لم أميز مضمونه. توجه أحد الدركيين إلي، طلب مني النزول، فأخرجوا "البدين" بالقوة، كبلوه، ثم ركبت من جديد. وانطلق السائق في سباق مع الضوء، هذه المرة، حتى يسترجع ما خسره من وقت. والركاب الأربعة يتجادلون معه في أمر الرجل، لم أعر للأمر اهتماما، بقدر ما حمدت الله، فقد أراحني من جسده المزطك ... أسندت رأسي إلى الخلف، غفوت قليلا، حتى استيقظت على كبح للفرامل مرة أخرى.
- " على سلامتكم .. "
هكذا ختم السائق حكاية السفر، لتبدأ قصة التيه في شوارع رجيلط الكبيرة. إلى حيث لا أدري كنت أهرول، كبدوية في باريس. حتى لاح لي جمع غفير من الناس في نهاية أحد الشوارع. سألت إحدى الفتيات عن سبب ذلك التجمع، فأدركت أنها إحدى محطات انتظار الحافلة الحضرية، سألتها عن التي توصل إلى وسط المدينة:
- إنها رقم 16 إنها قاد...
لم تكمل جوابها، إلْتَفَّتِ الأجساد بباب الحافلة، كما تَعْلَقُ قطعة الفلين في عنق الزجاجة. تزاحمت بدوري معهم واستطعت الصعود بعد عناء وجهد طويلين. كانت الأيادي متشابكة على المقبض الحديدي. سرحت من جديد بنظرات اندهاش، أحملق في البنايات الشامخة، فجأة تحسست بشيء خشن يحتك بمؤخرتي، نظرت إلى الوراء، فوجدته شيخا في عمر أبي تبسم لي، وابتسمت دون أن أفهم السبب ...
تجشأتنا الحافلة قرب محل كبير لبيع الألبسة الجاهزة، اضطلعت على الأثمنة من وراء الزجاج، تحسست جيبي، عددت النقود، فوجدتها كافية لتغيير مظهري ...
- ممنوع الدخول .. لا يتسول الناس هنا ..
- إني أريد ابتياع لباس لي.
أريتهم النقود، فانصرفوا من أمامي. ولجت إلى عالم الأقمشة الغريب التي لم أشاهده إلا بالأبيض والأسود في بعض المسلسلات المكسيكية. اخترت قميصا أحمر التصق بجسدي التصاقا، واشتريت حذاء أسود، بكعب طويل. وقفت أمام المرآة، أخذت أمرر أناملي على منخفضاتي ومرتفعاتي، فأحسست أني أحيا .. أحيا ....
دفعت ثمن الحوائج، وانصرفت باتجاه محل للتجميل، دلتني عليه القابضة في " البوتيك ". دخلته قصوا شعري وصففوه، كما طلبت منهم. كما وضعوا بعض المساحيق على وجهي، وأحمر شفاه قان على شفتي. انطلقت إلى الشارع، أتعمد المرور من أمام المقاهي، فهمسوا لي، غمزوا ولمزوا، وأنا كفرس برية أخطو، بغير ما سبيل. قطعت نصف ميل تقريبا، استشعرت بسيارة تتعقبني ببطء، زادت سرعتها قليلا، ثم توقفت أمامي، مررت بالمحاداة منها، فسمعت صوتا مبحوحا آت من داخلها:
- " ارَكْبِي أَلزِّينْ .. ارَكْبِي نوَصْلَكْ .. "
لم أدر ما حدث لي بالضبط، مزيج من الخوف والرغبة الملحاحة في خوض المغامرة واكتشاف المجهول، ركبت دونما وعي، أو أدنى تفكير مسبق ...
- ما اسمك ؟
- نْ .. وأنت ؟
- البشير، أظن أنك لست من هذه المدينة ...
- أنا من مدينة عطيلط ...
- وما الذي تفعلينه هنا ؟
- أبحث عن عمل في إحدى الشركات ..
- أ لديك دبلوم ؟
- حاصلة على البكالوريا ...
- ممتاز سأساعدك، ستعملين لدي ...
- كيف ؟
- سترين
وانطلق بسرعة جنونية. كنت متحمسة في البدء، لكن شيئا ما في دواخلي أشعرني بالهلع، خصوصا لما ابتعدنا عن المدينة. استفسرته، فرد علي بقهقهة لم أفهمها. عرج على الغابة، حاولت فتح الباب والنط إلى الخارج فأوقف السيارة، أخرجني بالقوة. ألقى بي على الأرض، قاومته، خارت قواي، ودقات قلبي تتسارع. دب إلي ألم فضيع تحت بطني، أخذ يمتزج شيئا فشيئا بلذة غريبة، فسافرت بجسدي وقلبي يدق، يدق ، يد....
أنا " المقدم " بعض " المعارف " الله يجازيهم بخير، أثبتوا أحقيتي بعملية السرد. أين وصلت القصة ؟ آوووه ... ! حمقاء ! ماذا فعلت ؟ سَأَفِرُّ بجلدي قبل أن يتهموني بذنب لم أرتكبه...
السارد الأول: ذهب ذلك الوغد، سأكمل لكم سرد ما تبقى.
توقفت دقات قلبها، فأسرع هاربا بسيارته. أسدل الليل ستاره على الغابة، تلبدت السماء بالغيوم، أخذت قطرات من المطر تتساقط على جسدها، فاستفاقت من غيبوبتها. لمحت ضوء خافتا يتسلل من بين الأغصان. فركضت نحوه، بعد لحظة، وقفت عند الكدية رأت ضوء مسجد حيها القصديري، أطلقت صرخة مدوية وسقط على الأرض.
ومن باب الشهامة، تمددت قربها، رُحْتُ في أحلى نومة. فلم أستيقظ منها إلا ورجال البوليس عند رأسي، حملوني للمخفر ... أنا الآن محكوم بثلاثين سنة سجنا، محاصر بين أربعة جدران. وباقي القصة لا أعلمها، انتظروا قليلا هنا، قد يأتي " المقدم " ليسرد ما تبقى، وإن لم يأت فذلك خير لكم، فقد تتورطون ،أنتم أيضا، في فضيحة أخرى.
Article ajouté le 2007-02-15 , consulté 149 fois
Retour aux articles
Commentaires
Chaimaa zemmama le 16/05/2008 à 21:50:43äæä
äæä : ßÇä ÇáäæÑ ãÞÕÏåÇ ááÎÑæÌ ãä ÇáÃÒãÇÊ ÇáÊí ÊÚÇäíåÇ ÈäÊ ÃÑÇÏÊ ÑÓã ãáÇãÍ ÇáÓÚÇÏÉ áßä ÇáÍÒä ÃÚÇÏåÇ Åáì ÓÌä ÇáÃÒãÇÊ Ãßá ãä 򾂯ÝåÇ ãÇ íÃßáå ÇáÌÑÇÏ ãä ÔÌÑ ÍÏíÞÉ ÍíäÇ ÛíÑ Ãä ÇáÌÑÇÏ íáÊåã ÇáÃÚÔÇÈ æáÇ íÃßá ÃÍáÇãÇ ÃÓÇÓåÇ Ìåá æÚÏã ÇáÊÝßíÑ ÈÚæÇÞÈ ãÇ ÓíÍÏË
ÃÑÇÏÊ ÎæÖ ÊÌÑÈÉ ÊæÕáåÇ Åáì ........ áßä ÞÕÊåÇ ÈÞíÊ ãæÖÚ ÌÏÇá Èíä Þáã ÇáÑÇæí æãÚÇäÇÉ "ÇáãÞÏã" æÊÍãáå ãÔÇÞ æãÓÄæáíÉ äÔÑ åÐå ÇáÞÕÉ Ýåæ íÞáÈ ÕÝÍÇÊ ÇáãÞÏãÉ íÑíÏ ÅÏÑÇÌ ÇÓãå áßä ÇáÑÇæí íÍæá Ïæä Ðáß
æÊÈÞì ÞÕÉ Çáäæä ÅÈÏÇÚ Ýí ÞÇáÈ ÇáÍíÑÉ æÍÒä ÇáÑÇæí æÕÑÇÚ ÇáãÞÏã ãÚ ÇáãÞÏãÉ