نبش في الداكرة
كان الوقت عصرا، كنت جالسا في المقهى، أو في غرفتي، لا أدري. تذكرت أني على موعد مع صديق لي في منزله، هرولت إليه، ورغم أن المكان ليس ببعيد، وصلت، على ما يبدو، متأخرا، أو قبل الموعد بقليل. وجدت باب داره مفتوحا، ناديت عليه، لم ألق غير صدى صوتي فولجت إلى البهو الفارغ من الأثاث، كان الشخير يعم المكان، وضوء الفانوس الخافت يتسلل من المكتبة، عبر الباب الذي كانت تنقره النسمات، فيحدث أزيزا خفيفا، انفلتت منه الرؤيا لتغتسل الذاكرة من أدران الانفلات... .
رأيت نفسي أمامي، رأسي مطأطأ على " جوطية " من الكتب المبعثرة، فوق المكتب، زجاجة " دجين " فارغة إلا من الهواء، وشظايا كأس منكسر، على الأرض، ومرمدة تحوي سيجارة لم تنطفئ بعد، ينبعث الدخان منها على شكل أحرف كاليغرافية، حتى ما إذا تأملت السقف المشقوق، وجدت آلاف النصوص المعلقة حتى إشعار لاحق !!!
- تساءل الفانوس: كيف للأحرف أن تكتب من جمر ودخان ... ؟
ابتلع الشخير صدى السؤال، ارتجت الغرفة، هويت من على الكرسي، سقط الفانوس على البساط الأخضر، شبت النار فيه، انتقل اللهيب إلى الخزانة القصبية، كاد يلتهمني، وكادت الأحرف أن تشعل ظلمة الليل المنبعث من النافذة المطلة على الشارع ... فجأة، دخل غريب علي من النافذة، بعث شكله في نوعا من الفزع والدهشة، فأفزعني.. ولم يفزعني، أدهشني .. ولم يدهشني، تساءلت في قرارة نفسي: من تراه يكون ؟
أجابني بصوت مرتفع جدا: " شُبِّيكْ .. شُدّْ يَدَّيكْ .. أنا عفريت ! وَلَدَيَّ ألف صورة وصورة، قد أكون ألفا، وقد أصير عصا منتفخة تهوي على كل مضرب عن الصمت .. وأحيانا، أصبح قفصا يسجن العصافير المقبلة على الزقزقة والتفريخ "
فأجابني .. ولم يجبني. أخد يرقص كجنية ماجنة، مارس طقوسه التنويمية علي .. لم أع ما حصل، استيقظت فوجدتني أشطب بلحيتي البيضاء أرصفة الشوارع .. أمسك في يدي عكازا من لحم ودم، وقليلا من نفسي، وجهاز راديو صغير، يخرج صوت منه كخمر مقدسة ..:
" طفل يكتب فوق جدار
طفل نبتت بين أصابعه النار ... ".
بغير ما مأوى، فتح الرصيف المقابل لبيتي القديم، أحضانه – الإسمنتية – لي، سلبوا مني كل شيء ... وحياتي الباقية اغتالتها الرقابة. لكن والحق يقال، أنا من ترك النافذة مفتوحة. ما كان لي أن أبقى هنا قاعدا ! فماذا كان عساي فعله ؟ أن أكتب بماء الذهب على قبري أو أغط بأحباط فم الريشة في دمي، حين ينزاح المكان عن المكان ويتضح عري الأم، عري الزمان..
- ..... ؟
نعم ! ارتضيت الأزقة الضيقة موطني، والبرك المدادية منتجعاتي، بدون ظلي مشيت، كان الضوء الخافت ورائي، ظلي سبقني إلى القطار، ركبه، وفي المحطة تركني ..
آهٍ .. آآهٍ .. آآآهْ .. عشرون سنة مرت. لقد قبرت فيها حيا .. تهت عني .. تذكرت ملامح وجهي بعناء لما رأيتني في المرآة. لقد أتوا بعد كل هذه المدة فقالوا: " أنت حقا عصفور !!! ". فما حال العصفور إذا قصت عوادي الزمن جناحيه ولسانه المغرد. جاء إلي عفريت، لكن، هذه المرة، بصورة حمل وديع .. كان يود أن أسامحه وأبسط يدي إلى الأربعين قلة لاختيار واحدة حتى أنسى إحراقه لذاكرتي .. قال: " نحن أولاد اليوم واللي فات مات ".
تعطل مسمعي عن التقاط كلماته .. أبحرت في ذاكرتي مسترجعا صور " فاطمة " أما فات بيننا قد مات ؟ أتراها تزوجت ؟ وكم لديها من أطفال ؟ كنا نحلم بالسير حتى آخر الدرب سويا .. اخترنا عدد الأطفال الذين سننجبهم، اخترنا أسماءهم. ويا لها من أحلام ! اغتالوها. ليس لدينا الحق في أن نحلم. بل نحن مراقبون حتى في كوابيسنا! هل لازالت تذكر أشعاري؟ هل توصلت ببرقية أرسلتها لها مع معتقل أطلقوا سراحه قبلي بعشر سنوات ؟ هل قرأت تلك القصيدة المتضمنة في الرسالة ؟:
" عندما تعلمين بأني إليك كتبت
أتخيل ثالوث الخال نجوما باسمة
وبارد رثلك ثلجا أبيضا ..
اقرئي أشعاري
ستلقين نبر الأصوات
سمفونية الأحزان
أدمعي فيها راقصات
دقات قلبي فيها ضابطة ..
ستلقين جمرا .. وشمعا محترقا
والريشة . والأحرف
من دمي المشتعل غار فة
( .... )
افتحي مقلتيك هناك
وراء الأسطر ...
أمل يوأد،
في صحاري القلب المقفرة
وهنا طفل
جانح، باحث عن أمهات مرضعة
وهنا عصفور
أيادي ليل امتدت إليه ساجنة
وهنا شمس تحرق نفسها
أشعتها على ثلجك جامدة ...
( ... ) "
لم أستطع استرجاع كل القصيدة ... اختلطت علي الأمور، وددت، في تلك اللحظة، لو بصقت على ذلك المعتوه، فقد قتل في روعة الإحساس. نظرت إليه، فوجدته يتكلم، ولعابه يتصبب من جنبات فمه على شكل فقاعات بيضاء. أشرت عليه بالتوقف ليشرب كوب ماء، نظر إلى ساعته اليدوية، فهم بالانصراف.
أشعلت التلفاز لأتابع ما أدرج عني من أخبار ... فوجدت خبرا عاجلا مكتوبا بالأحمر على شريط أبيض، أسفل الشاشة:
" الصخرة في اليد .. اليد في .. " تصالح العصفور مع ..
اختلطت علي الجملتان، رغم أن الأولى قد حاولت قراءتها من على الشاشة، والثانية أرغمتني على سماعها ... فأبكمت الجهاز، وشرعت أقرأ من جديد:
" الصخرة في اليد .. اليد في الصخرة.. كان الكل ينتظر مرور الموكب. كان أحمد يتساءل: جنازة أم فرح ؟ .. ما بين البكاء الضاحك والضحك الباكي. لم تستطع أذناه تميز حقيقة الصوت، والوجوه تكاد تكون وجها واحدا تعكسه ملايين المرايا.. بحث عن نفسه في بيته، لم يجدها.. توجه إلى الشارع، فوجد المكان غير المكان، وملامح الناس غريبة. عثر على ثياب أخته البيضاء تقطر دما من على الأرجوحة، تحت شجرة الزيتون ... حمل حجرا، أراد ضرب الحقيقة، الوهم .. فابتلعت الحجرة يديه ثم جسمه، تكوم جبلا واقفا، وخلفه الديار والأشجار .. "
فاقشعر بدني وصارت أطرافي ترتعد، تلفت حولي، فالتقيت بصديقي يئن وينزف مدادا بين أناملي ويقول:
" كاف .. ألف .. تاء .. باء
قم .. أنثر عنك الغبار
قم .. واكتب فوق الحجر
فوق أوراق الشجر
وعلى صفحات الماء ..
انغرس في حلمك ..
وارسمه بنحاس الشمس
على طبقات السماء .."
السارد الثاني:
هذه الكلمات توصلت بها شخصيا ، لا أدري لماذا وكلت إلي عملية إعادة الحكي؟ لقد وضعوا – يا عزيزي القارئ - خطوطا حمراء في عملية النبش، والبحث عن الحقيقة كما وقعت...
ما توصلت به أيضا (وخليوها بيناتنا) أنه أراد في أيامه الأخيرة أن ينطلق من العوالم الكائنة لخلق فوضى من الكلمات، ليرتب بها كل الافتراضات الممكنة.
- وماذا بعد .. ؟
( قيل .. المهم أنه قد عمر ما بين السطور حيا !!)
Article ajouté le 2007-02-15 , consulté 111 foisCommentaires
Retour aux articles
Commentaires