على عتبة العتمة
في دربي، على الطرقات الفارغة، عثرت علي أمشي ورائي، أحدث الدخان المنبعث من فمي، فسقطت وريقة الأمس من ذهني، وجدتها تبحث عني، عن شبح الوهم المزركش، على فسيفساء التجاعيد الضاحكة على جدار الصمت....
تلك الكلمات وحدها المتبقية من الردم، بعد ما طوقت أسراب الصقور يد الزمن الغارق في متاهات الضياع الأخرس: " أضحى وجودي عدما، أنت وحدك يا حبيبي من كان يبرر لي معنى أن أحيا، أحاول إيهام نفسي بنفسي رغم قساوة الزمن، ألثم في كل يوم بوابة السجن، لكنهم يمنعونني من زيارتك. أتخيلك ،الآن، شمعة تضيء وسط حلكة زنزانتك، أما أنا، فأعيش على ذكراك وسط بيتنا الصغير، أزور قبر ابنتنا كل صباح، كل شيء لا يزال كما تركته، سجادتك العتيقة، وقهوة المساء.... إني أنتظرك ..."
تدوخ بي الدنيا كلما قرأتها، تنقلني إلى تعاويذ الفجر الحجري، تحت أقدام جحافل التتار. لم أع في البدء أين أنا، ولا كيف جاءوا بنا إلى ذلك المكان الرهيب، فإيقاع طقطقات المياه أدخلتنا إلى حيث لا ندري...
- هنا تشرع ذاكرتك في اللهاث، وكأنها تطحن الخواء. أنسيت أم تدعي النسيان ؟ أم تراك تبحث عن صيغة سردية يتقبلها المتلقي. إذا كنت تريد بلع لسانك فبإمكاني أن أنوب عنك في حكي ما تبقى ....
- من أنت ؟
- أنت ...
- كيف !!؟
- عقدنا آخر اجتماعاتنا في ...
- كفى ! كفى ! أصمت .
الآن تذكرت ذلك الخطاب الموسوم بالعويل، والذي تناقلته كل وسائل الإعلام: " أيها الذاهبون إلى الصحراء، تمثال الحرية يشد على أياديكم، حرروا ذلك الشعب، أخرجوه من تحت وطأة الديكتاتور..."
لم أفهم فحوى الكلام إلا حينما توافدت علينا الجيوش من كل صوب، حتى من حدود الجيران. دخلوا علينا، وفي بيتي اغتصبوا ابنتي الوحيدة "عائشة " أمام عيني، ثم حملوني إلى ذلك المكان، حيث أجسادنا ونغمات السوط الممزوجة بسمفونيات الصراخ الأبدي، التصقا وحشرجات الحلوق المتاهات.
زج بنا، نحن الأربعة، في زنزانة مربعة الشكل طول ضلعها الواحد لا يساوي مترا حتى، تقاسمنا القليل من قمح الجياع المهرب، وتيممنا بالرمل الموجود على الأرضية لنقيم الصلاة جماعة، حتى استحالت في المكان، بعدما أضحت إحدى الزوايا مرحاضنا الخاص.
وعلمنا الفراغ أشياء لم نعهدها قط، كنا نقتل وقتنا بعد خطوات النمل أحيانا، وبمداعبة الجرذان أحيانا أخرى. وكان خالد، أصغرنا سنا، يكتب خواطره بقطع الجير، المتناثرة من السقف، على الجدران السوداء. مقولاته ظلت كالوشم في ذاكرتي:
"- كيف كنا سنكون لو ولدنا بيد واحدة ؟ "
"- مسلسل السلام حلقاته غير مترابطة، تحتاج إلى سيناريست كي يرتبها أو يجعلها قابلة للمشاهدة.."
"- ما جدوى الفزاعة المنصوبة على حقول الجيران؟ سيأتي يوم ليعلموا فيه أن الصقور تعرف خدعتهم البليدة، حينئذ سيقولون، أُكِلْنَا يوم أُكِلَ الثور الأبيض !"
وفي كل ذي مرة تضيق الحياة بنا، ويصل الضجر إلى أعلى نسبه فينا، كان عبد الله يرتل، على مسامعنا، آيات من الذكر الحكيم، لينتقل الضجر إلى الحراس ويثقب القرآن آذانهم. وكثيرا ما كان يقع في بعض المجادلات الفكرية مع عثمان. وقليلا ما كنا، أنا وخالد، نتدخل في النقاش.
كنا قطعة واحدة، متناسين الآلام التي تعصرنا، حتى ارتدانا العراء عل شرفة القهر، انكشفت أجسادنا نحيفة مهزولة، وفي ساحة، السجن ارتفع وقع الأحذية، تركل كل شيء، بما في ذلك الفجر وعرينا... كان الملازم الأسود مع رفيقته الشقراء يتحاوران بصوت مهموس، لامس مسمعي:
- أين الصحفي براون ؟
- هناك ... تحت الشجرة.
- فلنشرع في اللعبة.
تعالت قهقهاتهما، جعلوا أجسادنا متلاصقة في شدة القيض، وأشعة الشمس متساقطة بشكل عمودي على رؤوسنا، بدأوا في التصوير والبنادق مصوبة نحونا. فجأة طلب العقيد "بوب" من الملازم "بيلي" شيئا ما، اقترب من خالد، أطرحه على الأرض، فتكامشنا فوق ذلك الحيوان لإيقافه عن فعلته .... فانطلقت ثلاث رصاصات، ثبتت الأولى في صدر عبد الله، والثانية في رأس عثمان، والثالثة في قدمي اليمنى، والدم يجري من دبر خالد وفمه وأنفه وأذنيه.
أنا الآن جالس في المقهى، حيث الشاي يرتشفني، حيث السيجارة تنفث في حياتها الانفجار، وترمي بأعقابي كل مساء على عتبة العتمة، الراعف زمنها خلف الرداء المبلل باحتضارات البقاء، خلف المكان المكسو بثوب السكون المنفجر همهماته بين فاصلات اللحن الحزين: ابنتي، زوجتي، خالد، عبد الله، عثمان وآخرون... دماؤهم تصببت لتسقي رحم الأم الأولى، أرواحهم، الآن، محلقة في السماء، رافضة كل الطقوس والعادات البشرية، لتكون الشاهد على لعبة التاريخ في ثخوم الصحراء.


Commentaires